فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال: قلت: إن كنت عند الأمير في هذه الحال فلا حاجة به إلى إفشاء سرّه إليّ، واستعفيته مرارا فلم يعفني، فاستحييت من مراجعته، وقلت: فلير الأمير رأيه. فقال لي: يا ضبّيّ، قل: واللّه. قلت: واللّه، فأمّرها عليّ غموسا مؤكّدة بالبيعة والطلاق وكلّ ما يحلف به مسلم. ثم قال: أشعرت أنّ دعبلا مدخول النسب؟ وأمسك، فقلت: أعزّ اللّه الأمير، أفي هذا أخذت العهود والمواثيق ومغلّظ الأيمان؟ قال: إي واللّه، فقلت:/ ولم؟ قال: لأني رجل لي في نفسي حاجة، ودعبل رجل قد حمل نفسه على المهالك، وحمل جذعه على عنقه، فليس يجد من يصلبه عليه، وأخاف إن بلغه أن يقول فيّ/ ما يبقى عليّ عاره على الدهر، وقصاراي إن ظفرت به وأسلمته اليمن - وما أراها تفعل؛ لأنه اليوم لسانها وشاعرها والذابّ عنها والمحامي لها والمرامي دونها - فأضربه [1] مائة سوط، وأثقله حديدا، وأصيّره في مطبق [2] باب الشام.
وليس في ذلك عوض مما سار فيّ من الهجاء وفي عقبي من بعدي. فقلت: ما أراه يفعل ويقدم عليك. فقال لي: يا عاجز، أهون عليه مما لم يكن. أتراه أقدم على الرشيد والأمين والمأمون وعلى أبي ولا يقدم عليّ؟ فقلت:
فإذا كان الأمر كذا فقد وفق الأمير فيما أخذه عليّ.
قال: وكان دعبل صديقا لي، فقلت: هذا شيء قد عرفته، فمن أين؟ قال الأمير: إنّه مدخول النسب وهو في البيت الرفيع من خزاعة، لا يتقدمهم غير بني أهبان مكلّم الذئب. فقال: أسمع أنه كان أيام ترعرع خاملا لا يؤبه له، وكان ينام هو ومسلم بن الوليد في إزار واحد، لا يملكان غيره. ومسلم أستاذه وهو غلام أمرد يخدمه، ودعبل حينئذ لا يقول شعرا يفكر فيه حتى قال:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
بداية اشتهاره وطلب الرشيد أن يلازمه:
وغنّى فيه بعض المغنين وشاع، فغنّي به بين يدي الرشيد، إما ابن جامع أو ابن المكي، فطرب الرشيد، وسأل عن قائل الشعر، فقيل له: دعبل بن عليّ، وهو غلام نشأ من خزاعة. فأمر بإحضار عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه، فأحضر ذلك، فدفعه مع مركب من مراكبه إلى خادم من خاصته، وقال له: اذهب بهذا إلى خزاعة فاسأل عن دعبل بن عليّ، فإذا دللت عليه فأعطه هذا، وقل له: ليحضر إن شاء، وإن لم يجب/ ذلك فدعه. وأمر للمغني بجائزة، فسار الغلام إلى دعبل، وأعطاه الجائزة، وأشار عليه بالمسير إليه.
فلما دخل عليه وسلّم أمره بالجلوس فجلس، واستنشده الشعر فأنشده إياه، فاستحسنه وأمره بملازمته وأجرى عليه رزقا سنيّا، فكان أول من حرضه على قول الشعر.
يبلغه موت الرشيد فيهجوه:
فو اللّه ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على ما فعله: من العطاء السنيّ، والغنى بعد الفقر، والرفعة بعد الخمول بأقبح مكافأة. وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت عليهم السّلام، وهجا الرشيد:
وليس حيّ من الأحياء نعلمه ... من ذي يمان ومن بكر ومن مضر
[1] كذا في النسخ ويبدو أنها: أن أضربه؛ لتستقيم العبارة.
[2] المطبق: السجن تحت الأرض.