زينب لكم؟ قالوا: سيّئة، ما كانت تعطينا من القوت إلّا ملء هذا القدح من لبن - وأروه قدحا صغيرا - فغضب على امرأته غضبا شديدا وتركها، حتى إذا أراح [1] عليه راعيا إبله قال لهما: اذهبا، فأنتما وإبلكما لبني معدان. فغضبت من ذلك زينب وهجرته، وضربت بينه وبينها حجابا، فقال: واللّه لا تذوقين منها صبوحا ولا غبوقا أبدا، وقال في ذلك [2] :
شعره في امرأته حين عرف سوء معاملتها لصغار أخيه:
لججنا ولجّت هذه في التغضّب ... ولطّ [3] الحجاب بيننا التجنّب
وخطت بفردي إثمد جفن عينها ... لتقتلني وشدّ ما حبّ زينب
تلوم على مال شفاني مكانه ... فلومي حياتي ما بدا لك واغضبي
/ رحمت بني معدان أن [4] قلّ مالهم ... وحق لهم مني وربّ المحصّب [5]
وكان [6] اليتامى لا يسدّ اختلالهم [7] ... هدايا لهم في كل قعب مشعّب [8]
فقلت لعبدينا: أريحا عليهم ... سأجعل بيتي بيت آخر معزب [9]
وقلت خذوها واعلموا أن عمّكم ... هو اليوم أولى منكم بالتكسب
عيالي [10] أحقّ أن ينالوا خصاصة ... وأن يشربوا رنقا إلى حين [11] مكسبي
أحابي بها من لو قصدت لماله ... حريبا [12] لآساني على كل موكب
أخي والّذي إن أدعه لعظيمة ... يجبني وإن أغضب إلى السيف يغضب
إلى ها هنا رواية ابن عمار.
تركته زوجته إلى المدينة وأسلمت فراح يطلبها:
وفي خبر إسحاق قال: فلما بلغ زينب هذا الشعر وما وهب زوجها خرجت حتى أتت المدينة فأسلمت، وذلك في ولاية عمر بن الخطاب، فقدم حجية المدينة فطلب زينب أن تردّ عليه، وكان نصرانيا، فنزل بالزبير بن العوام فأخبره بقصته، فقال له: إياك وأن يبلغ هذا عنك عمر فتلقى منه أذى.
[1] أراح عليه إبله: ردها عليه رواحا.
[2] الشعر في شرح «ديوان الحماسة» بشرح ص 1176.
[3] اللط: الستر.
[4] في «التجريد» : «إذ» .
[5] المحصب: موضع رمي الجمار.
[6] في «الحماسة» : «رأيت» .
[7] في «الحماسة» : «فقورهم» .
[8] المشعب: المجبور في مواضع منه.
[9] المعزب: الخالي من الإبل، من أعزبت الإبل: إذا بعدت عن أهلها في المرعى.
[10] في «الحماسة» : «بنيّ» .
[11] في «الحماسة» : «لدى كل مشرب» .
[12] الحريب: المسلوب المال، حرب، بفتح الراء يحرب، بضمها.