قالت لي عريب: حج بي أبوك وكان مضعوفا، فكان عديلي، وكنت في طريقي أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار، وأكتب عنهم النوادر وسائر ما أسمعه منهم، فوقف شيخ من الأعراب علينا يسأل، فاستنشدته، فأنشدني:
يا عزّ هل لك في شيخ فتى أبدا ... وقد يكون شباب غير فتيان
فاستحسنته، ولم أكن سمعته قبل ذلك، قلت: فأنشدني باقي الشعر، فقال لي: هو يتيم، فاستحسنت قوله وبرّرته، وحفظت البيت وغنّيت فيه صوتا من الثقيل الأول، ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه، فلمّا كان في ذلك اليوم عشيّا قال لي: ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابيّ، وقال لك: إنه يتيم. أنشدينيه إن كنت حفظته، فأنشدته، إياه، وأعلمته أني قد غنيّت فيه، ثم غنيته له، فوهب لي ألف درهم بهذا السبب، وفرح بالصوت فرحا شديدا.
قال ابن المعتز: قال ابن الخصيب:
فحدثني هذا المحدّث أنه قد حضر بعد ذلك بمجلس أبي عيسى بن المتوكل - ومن ها هنا تتصل رواية ابن عمّار، عن ميمون، وقد جمعت الرّوايتين إلا أن ميمون بن هارون ذكر أنهم كانوا عند جعفر بن المأمون، وعندهم أبو عيسى، وكان عندهم عليّ بن يحيى، وبدعة جارية عريب تغنيهم - فذكر عليّ بن يحيى أن الصّنعة فيه لغير عريب، وذكر أنها لا تدّعى هذا وكابر فيه، فقام جعفر بن المأمون، فكتب رقعة إلى عريب - ونحن لا نعلم - يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة، ففعلت، فكتبت إليه بخطها:
/ بسم اللّه الرحمن الرحيم.
هنيّا لأرباب البيوت بيوتهم ... وللعزب المسكين ما يتلمّس
أنا المسكينة، وحيدة فريدة بغير مؤنس، وأنتم فيما أنتم فيه، وقد أخذتم أنسى ومن كان يلهيني، تعني جاريتها: بدعة وتحفة - فأنتم في القصف والعزف، وأنا في خلاف ذلك، هناكم اللّه وأبقاكم [1] ، وسألت - مدّ اللّه في عمرك - عما اعترض فيه فلان، والقصّة في هذا الصوت/ كذا وكذا، وقصّت قصّتها مع الأعرابيّ كما حدّثت به، ولم تخرم حرفا منها، فجاء الجواب إلى جعفر بن المأمون فقرأه وضحك. ثم رمى به إلى أبي عيسى، ورمى به أبو عيسى إليّ، وقال: اقرأه، وكان عليّ بن يحيى جالسا إلى جنبي، فأراد أن يستلب الرقعة، فمنعته، وقمت ناحية، فقرأتها: فأنكر ذلك، وقال: ما هذا؟ فورّينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة، وكان - عفا اللّه عنا وعنه - مبغضا لها.
تروي قصة غرامية عن أبي محلم:
قال ابن المعتز: وحدثني أبو الخطّاب العبّاس بن أحمد بن الفرات، قال: حدّثني أبي، قال:
كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذا غنّى بعض من كان هناك:
يا بدر إنّك قد كسيت مشابها ... من وجه ذاك المستنير الّلائح
وأراك تمصح [2] بالمحاق، وحسنها ... باق على الأيام ليس ببارح
فضحكت عريب وصفّقت وقالت: ما على وجه الأرض أحد يعرف خبر هذا الصّوت غيري، فلم يقدم أحد منا
[1] ف: «و أمراكم» .
[2] مصح يمصح مصوحا: ذهب وانقطع، والمراد هنا ذهاب الضوء، وفي ف: «تمسح» ، وفي «المختار» : «تسمج بالمحاق» .