فقال له معاوية: أراك قد أقررت [1] بقتل صاحبهم، ثم قال لعبد الرحمن: هل لزيادة ولد؟ قال: نعم، المسور، وهو غلام صغير لم يبلغ، وأنا عمه ووليّ دم أبيه، فقال: إنك لا تؤمن على أخذ الدية أو قتل الرجل بغير حق، والمسور أحق بدم أبيه فردّه إلى المدينة فحبس ثلاث سنين حتى بلغ المسور.
بينه وبين جميل بن معمر:
أخبرني الحرميّ بن العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: نسخت من كتاب عامر بن صالح قال:
دخل جميل بن معمر العذريّ على هدبة بن خشرم السّجن وهو محبوس بدم زيادة بن زيد، وأهدى له بردين من ثياب كساه إياها سعيد بن العاص، وجاءه بنفقة، فلما دخل إليه عرض ذلك عليه، وسأله أن يقبله منه، فقال له هدبة: أأنت يا بن معمر الذي تقول:
بني عامر أنّى انتجعتم وكنتم ... إذا عدّد الأقوام كالخصية الفرد؟
أما واللّه لئن خلّص اللّه لي ساقي لأمدنّ لك مضمارك [2] ، خذ برديك ونفقتك، فخرج جميل، فلما بلغ باب السجن خارجا قال: اللهم أغن [3] عنّي أجدع بني عامر، قال: وكانت بنو عامر قد قلّت، فحالفت لإياد.
من شعر أمه فيه:
قال أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني:
فقالت أم هدبة فيه لما شخص إلى المدينة فحبس بها:
أيا إخوتي أهل المدينة أكرموا ... أسيركم إن الأسير كريم
فربّ كريم قد قراه وضافه ... وربّ أمور كلّهن عظيم
عصى جلّها يوما عليه فراضه ... من القوم عيّاف أشمّ حليم [4]
يتوسطون له فترفض وساطتهم:
فأرسل هدبة العشيرة [5] إلى عبد الرحمن في أول سنة فكلموه، فاستمع منهم ثم قال:
/أبعد الذي بالنّعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل [6]
أذكّر بالبقيا على من أصابني ... وبقياي أني جاهد غير مؤتلي
فرجعوا إلى هدبة بالأبيات فقال: لم يوئسني بعد، فلما كانت السنة الثالثة بلغ المسور، فأرسل هدبة إلى عبد الرحمن من كلّمه فأنصت حتى فرغوا، ثم قام عنه مغضبا وأنشأ يقول:
[1] الإقرار يتضمنه البيت: رمينا فرمينا ... إلخ.
[2] لأمدن لك مضمارك: «لأوسعن الميدان الذي ألاقيك فيه، وربما كانت لأعدن لك مضمارك» وعلى كل فهي تهديد.
[3] أغنه عني: اكفني شره، ويعني بأجدع بني عامر هدبة نفسه.
[4] عصى جلها ... إلخ، خبر أمور في البيت السابق، والهاء من راضه يعود على جل، والمراد «بعياف أشم حليم» هدبة نفسه.
[5] يريد عشيرته من بني عامر.
[6] تقدم هذا البيت وما قبله، وهما رفض لطلب العشيرة وإباء لعرض الدية.