وإذا ناحبت [1] كلب على الناس أيّهم ... أحقّ بتاج الماجد المتكرّم [1]
على نفر هم من نزار ذوي العلا ... وأهل الجراثيم التي لم تهدّم [2]
فلم يجز عن أحسابهم غير غالب ... جرى بعنان كّل أبيض خضرم [3]
سحيم يعجز عن مباراة أبيه في كرمه:
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن جهم السليطيّ، عن إياس بن شبة، عن عقال بن صعصعة، قال:
أجدبت بلاد تميم، وأصابت بني حنظلة سنة [4] في خلافة عثمان، فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة، فانتجعتها بنو حنظلة، فنزلوا أقصى الوادي، وتسرّع غالب بن صعصعة فيهم وحده دون بني مالك [5] بن حنظلة، ولم يكن مع بني يربوع من بني مالك غير غالب [5] ، فنحر ناقته فأطعمهم إيّاها، فلما وردت إبل سحيم بن وثيل الرّياحيّ حبس منها ناقة، فنحرها من غد، فقيل لغالب: إنما نحر سحيم مواءمة لك - أي مساواة لك - فضحك غالب، وقال: كلا، ولكنه امرؤ كريم، وسوف أنظر في ذلك، فلما وردت إبل غالب حبس منها ناقتين، فنحرهما، فأطعمهما بني يربوع، فعقر سحيم ناقتين، فقال غالب: الآن علمت أنه يوائمني، فقعر غالب عشرا، فأطعمها بني يربوع فعقر سحيم عشرا، فلما بلغ غالبا فعله ضحك، وكانت إبله ترد لخمس، فلما وردت عقرها كلها عن آخرها،/ فالمكثر يقول: كانت أربعمائة، والمقلّ يقول: كانت مائة، فأمسك سحيم حينئذ؛ ثم إنه عقر في خلافة عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه بكناسة الكوفة مائتي ناقة وبعير، فخرج الناس بالزنابيل/ والأطباق والحبال لأخذ اللحم، ورآهم عليّ عليه السلام، فقال: أيّها الناس لا يحل لكم، إنّما أهلّ [6] بها لغير اللّه عزّ وجلّ. قال: فحدثني من حضر ذلك قال: كان الفرزدق يومئذ مع أبيه وهو غلام، فجعل غالب يقول: يا بنيّ، اردد عليّ، والفرزدق يردّها عليه، ويقول له: يا أبت اعقر، قال جهم: فلم يغن عن سحيم فعله، ولم يجعل كغالب إذا لم يطق فعله.
يقيد نفسه حتى يحفظ القرآن:
حدثني محمد بن يحيى عن محمد بن القاسم - يعني أبا العيناء - عن أبي زيد النحويّ، عن أبي عمرو قال:
جاء غالب أبو الفرزدق إلى عليّ بن إبي طالب صلوات اللّه عليه بالفرزدق بعد الجمل بالبصرة، فقال: إن ابني هذا من شعراء مضر [7] فاسمع منه، قال: علمه القرآن، فكان ذلك في نفس الفرزدق، فقيّد نفسه في وقت، وآلى:
لا يحلّ قيده حتى يحفظ القرآن.
[1] في ب «ناديت» بدل «ناحبت» وناحبت: راهنت.
[2] الجراثيم: جمع جرثومة، وهي الأصل.
[3] الخضرم: الكريم المعطاء.
[4] سنة: جدب.
(5 - 5) التكملة من هد، هج.
[6] يقال: أهل الذابح: رفع صوته عند ذبح الضحية باسم من قدمها قربانا له.
[7] في هج، هد: «أن ابني هذا من أشعر مضر، أو شاعر مضر» .