فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
جئتنا بعمر بن أبي ربيعة من غير أن يعلم أنا بعثنا بك إليه، فقال: أفعل فكيف تريان أن أقول له؟ قالتا: تؤذنه [1] بنا، وتعلمه أنا خرجنا في سرّ منه، ومره أن يتنكر، ويلبس لبسة الأعراب، ليرانا في أحسن صورة، ونراه في أسوإ حال، فنمزح بذلك معه، فجاء خالد إلى عمر، فقال له: هل لك في هند والرباب وصواحبات لهما قد خرجن إلى العقيق على حال حذر منك وكتمان لك أمرهما [2] ؟ قال: واللّه إني إلى لقائهن لمشتاق، قال: فتنكر، والبس لبسة الأعراب، وهلمّ نمض إليهن، ففعل ذلك عمر، ولبس ثيابا جافية، وتعمّم عمّة الأعراب، وركب قعودا له على رحل غير جيد، وصار إليهن، فوقف منهن قريبا، وسلّم، فعرفنه، فقلن: هلمّ إلينا يا أعرابيّ، فجاءهن، وأناخ قعوده، وجعل يحدثهن، وينشدهن، فقلن له: يا أعرابي: ما أظرفك، وأحسن إنشادك! فما جاء بك إلى هذه الناحية؟ قال:
جئت أنشد ضالّة لي، فقالت له هند: انزل إلينا، واحسر عمامتك عن وجهك، فقد عرفنا ضالّتك، وأنت الآن تقدّر أنّك قد احتلت علينا، ونحن واللّه احتلنا عليك وبعثنا إليك بخالد/ الخرّيت، حتى قال لك ما قال، فجئتنا على أسوإ حالاتك، وأقبح ملابسك، فضحك عمر، ونزل إليهن، فتحدّث معهن، حتى أمسوا، ثم إنهم تفرقوا، ففي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:
صوت
ألم تعرف الأطلال والمتربّعا ... ببطن حليّات دوارس بلقعا [3]
إلى السّرح من وادي المغمّس بدّلت ... معالمه وبلا ونكباء زعزعا [4]
/فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما ... نكأن فؤادا كان قدما مفجّعا [5]
لهند وأتراب لهند إذ الهوى ... جميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا
في هذه الأبيات ثقيل أول لمعبد:
تبالهن بالعرفان لمّا رأينني ... وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا [6]
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّم ... يقيس ذراعا كلمّا قسن إصبعا
كان جده عبدا آبقا
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائني، وذكر مثل ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى:
[1] تؤذنه: تعلمه.
[2] أمرهما: مفعول للمصدر «كتمان» .
[3] حليات: جمع حلية، وهي ما ابيض من يبس النصي، وهو نبت سبط من أجود المراعي، وفي هج؛ «حليات» - بالحاء المعجمة - «دوارس بلقعا» حالان من الأطلال لا صفتان لحليات، وفي هج: «ألم تسأل» بدل «ألم تعرف» .
[4] في هج: «السفح» بدل «السرح» ، المغمس: مكان. النكباء. الزعزع: الريح العاتية.
[5] نكأن فؤادا: من نكأ الجرح، قشرة قبل أن يبرأ، فدمي.
[6] تبالهن: تظاهرن بالبله، أكل: أرهق دابته، أوضع: أسرع بدابته حتى أنهكها، والمراد أنهن تظاهرن بعدم معرفته، وقلن؛ أعرابي أجهده السير، وأجهد راحلته.