له: دونك. فقال: يا أبا الخطاب أحسن واللّه ريسان العذرى - قاتله اللّه - قال: وفيم أحسن؟ قلت: حيث يقول:
لو جزّ بالسيف رأسي في مودّتها ... لمال لا شك يهوي نحوها رأسي
فقال: نعم أحسن، فقلت: يا أبا الخطاب، وأحسن واللّه تحيّة بن جنادة العذريّ، قال: في ماذا؟ قلت: حيث يقول:
سرت لعينيك سلمى بعد مغفاها ... فبتّ مستوهنا من بعد مسراها
فقلت: أهلا وسهلا من هداك لنا ... إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
وفي رواية الزبير خاصة:
تأتي الرياح من نحو أرضكم ... حتى أقول: دنت منّا بريّاها
وقد تراخت بها عنّا نوّى قذف ... هيهات مصبحها من بعد ممساها [1]
من حبّها أتمنّى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول: فراق لا لقاء له ... وتضمر اليأس نفسي ثم تسلاها
/ ولو تموت لراعتني وقلت لها: ... يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها
ويروى.
لراعتني منيّتها ... وقلت يا بؤس ليت الدهر أبقاها
فضحك عمر ثم قال: يا ويحه أحسن واللّه، لقد هيجتما عليّ ما كان ساكنا مني فلأ حدّثنكما حديثا حلوا: بينا أنا أوّل أعوامي جالس إذا بخالد الخريت قال: مررت بأربع نسوة قبيل [2] ، يردن ناحية كذا وكذا من مكة، لم أر مثلهن قط، فيهن هند، فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن، ولا يعلمن؟ فقلت: وكيف لي بأن يخفى ذلك؟ قال: تلبس لبسة الأعراب، ثم تقعد على قعود، كأنك تنشد ضالة، فلا يشعرن حتى تهجم عليهن، قال:
فجلست على قعود. ثم أتيتهنّ فسّلمت عليهن، فآنسنني، وسألنني أن أنشدهن، فأنشدتهن لكثيّر وجميل وغيرهما، وقلن: يا أعرابي، ما أملحك، لو نزلت، فتحدثت معنا يومنا هذا، فإذا أمسيت انصرفت، فأنخت قعودي، وجلست معهن، فحدثتهن، وأنشدتهن، فدنت هند، فمدّت يدها، فجذبت عمامتي، فألقتها عن رأسي، ثم قالت: تاللّه لظننت أنك خدعتنا، نحن واللّه خدعناك، أرسلنا إليك خالدا الخرّيت في إتياننا بك على أقبح هيئتك، ونحن على أحسن هيئتنا. ثم أخذن بنا في الحديث، فقالت إحداهن: يا سيدي لو رأيتني [3] منذ أيام، وأصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي/ في جيبي، فنظرت إلى حرى، فرأيته ملء العسّ والقسّ [4] فصحت: يا عمراه! فصحت [5] : لبيك
[1] قذف: بعيدة تتقاذف بمن تصيبه، مصبح وممسى: مصدران ميميان، أو اسما مكان أو زمان من أصبح وأمسى، وفي هد، هج
«هيهات مصبحها عنا وممساها»
[2] قبيل: متشابهات.
[3] في هد «لقد رأيتني» بضم التاء.
[4] العس: القدح الكبير، أما القس فلا مكان له هنا، ونرجح أنهما تحريف «العين والنفس» .
[5] تاء «صحت» الأولى ضمير المرأة المتحدثة، وتاء «صحت» الثانية ضمير ابن أبي ربيعة.