يا قبر بين بيوت آل محرّق ... جادت عليك رواعد وبروق
أمّا البكاء فقلّ عنك كثيرة ... ولئن بكيت فللبكاء خليق [1]
ثم ركب المنذر، حتى نظر إليهما، فأمر ببناء الغريّين [2] عليهما، فبنيا عليهما، وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريين، يسمّي أحدهما يوم نعيم،/ والآخر يوم بؤس، فأول من يطلع عليه يوم نعيمه يعطيه مائة من الأبل شوما [3] أي: سودا، وأول من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه رأس ظربان [4] أسود، ثم يأمر به، فيذبح ويغرّى بدمه الغريّان، فلبث بذلك برهة من دهره.
يقتل في يوم بؤس المنذر
ثم إن عبيد بن الأبرص كان أول من أشرف عليه في يوم بؤسه، فقال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد؟ فقال:
أتتك بحائن [5] رجلاه، فأرسلها مثلا، فقال له المنذر: أو أجل بلغ إناه [6] ، فقال له [7] المنذر: أنشدني، فقد كان شعرك يعجبني، فقال عبيد: حال الجريض [8] دون القريض،/ وبلغ الحزام الطّبيين [9] . فأرسلها مثلا، فقال له النعمان: أسمعني، فقال: المنايا على الحوايا [10] ، فأرسلها مثلا، فقال له آخر: ما أشدّ جزعك من الموت، فقال:
لا يرحل رحلك من ليس معك [11] فأرسلها مثلا، فقال له المنذر: قد أمللتني، فأرحني قبل أن آمر بك، فقال عبيد:
من عزّ بزّ [12] فأرسلها مثلا، فقال المنذر: أنشدني قولك:
أقفر من أهله ملحوب
فقال عبيد:
صوت
أقفر من أهله عبيد ... فليس يبدي ولا يعيد [13]
[1] فللبكاء خليق: جدير بك، وفي هد، هج و «المختار» : «فبالبكاء» أي فأنت بالبكاء خليق.
[2] الغريان: بناءان أقامهما المنذر على نديميه اللذين قتلهما، ونرجح أن هذه التسمية إنما جاءت من طلائهما بدماء من يقتل في يوم بؤس المنذر، والتغرية في اللغة بمعنى التطلية.
[3] شوما: لعله جمع أشيم أو شيماء بمعنى في جسمها شامة، وليس معنى ذلك السواد، كما شرحه المؤلف، وفي هد: هج «سهما» بدل «شوما» وليس من معانيها السواد أيضا.
[4] الظربان: حيوان دون السنور، أصلم الأذنين، طويل الخطم، قصير القوائم كثير الفسو، منتن الرائحة.
[5] الحائن: الهالك.
[6] إناه: وقته.
[7] يقتضي السياق أن يقول: «ثم قال له المنذر» بدل «فقال له المنذر» التي تكررت مرتين متتاليتين.
[8] الجريض: الغصة، أو اختلاف الفكين عند الموت.
[9] الطبيان: تثنية طبي، وهو حلمة الضرع، أو الضرع كله، وهو مثل يضرب للأمر تجاوز حده.
[10] الحوايا: ما احتوى عليه بطن الإنسان أو الحيوان، والجملة مثل يضرب لمن يسعى إلى هلاكه بنفسه.
[11] معنى الجملة أنه لا يقاسي مشقة رحلتك من لم يعانها معك.
[12] بز: غلب، ومعنى الجملة: من غلب أخذ السلب.
[13] في هد، هج بدل المصراع الثاني:
«فاليوم لا يبدي ولا يعيد»
والرواية التي معنا أصوب، لأن الأبيات من مخلع البسيط، أما المصراع الوارد في هد، هج، فمن الرجز.