فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 6876

شيء من أوصاف الحيرة

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد بن إسحاق: قرأت على أبي، وقال أبو عبيد اللّه الكاتب حدّثني سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال:

وكان بعض ولاة الكوفة يذمّ الحيرة في أيام بني أميّة، فقال له رجل من أهلها - وكان عاقلا ظريفا -: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهليّة والإسلام! قال: وبماذا تمدح؟ قال: بصحّة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للخفّ والظّلف، سهل وجبل، وبادية وبستان، وبرّ وبحر، محلّ الملوك ومزارهم [1] ، ومسكنهم ومثواهم، وقد قدمتها - أصلحك اللّه - مخفّا فرجعت مثقلا ووردتها [2] مقلّا فأصارتك مكثرا، قال: فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: بأن تصير إليّ [3] ، ثم ادع ما شئت من لذّات العيش، فو اللّه لا أجوز بك الحيرة فيه؛ قال: فاصنع لنا صنيعا واخرج من قولك؛ قال: أفعل، فصنع لهم طعاما وأطعمهم من خبزها وسمكها وما صيد من وحشها: من ظباء ونعام وأرانب وحبارى [4] ، وسقاهم ماءها/ في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمها [5] - وكان يتّخذ بها من الفرش أشياء ظريفة - ولم يستخدم لهم حرّا ولا عبدا إلّا من مولّديها ومولّداتها من خدم ووصائف [و وصفاء] [6] كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غنّاهم حنين وأصحابه في شعر عديّ بن زيد شاعرهم وأعشى همدان لم يتجاوزهما، وحيّاهم برياحينها، ونقّلهم [7] على خمرها، وقد شربوا بفواكهها؛ ثم قال له: هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة؟ قال: لا واللّه، لقد أحسنت صفة بلدك ونصرته فأحسنت نصرته والخروج ممّا تضمّنته، فبارك اللّه لكم في بلدكم.

المغنون المشهورون بالحيرة غير حنين ونوع غنائهم

قال إسحاق: ولم يكن بالحيرة مذكور في الغناء سوى حنين إلّا نفرا من السّدريّين يقال لهم: عباديس، وزيد بن الطّليس، وزيد بن كعب، ومالك بن حممة، وكانوا يغنّون غناء الحيرة بين الهزج والنّصب [8] وهو إلى النصب أقرب ولم يدوّن [9] منه شيء لسقوطه وأنه ليس من أغاني الفحول. وما سمعنا نحن لأحد من هؤلاء خبرا إلا لمالك بن حممة، أخبرني به عمّي عن عبد اللّه بن أبي سعد.

[1] في ط: «و مرادهم» .

[2] كذا في أغلب النسخ. وفي س، ح: «وزرتها» . وفي ب: «ودرتها» وهو تحريف.

[3] في ط: «اليها» .

[4] الحباري: طائر قال في كتاب «الحيوان» : إنه طويل العنق رماديّ اللون في منقاره بعض طول وهو يقع على الذكر والأنثى واحده وجمعه سواء وإن شئت قلت في الجمع حباريات، وهو ممنوع من الصرف معرفا ومنكرا.

[5] الرقم: ضرب مخطط من الوشي أو الخز.

[6] زيادة في ط والوصائف: جمع وصيفة وهي الجارية البالغة حد الخدمة، والوصفاء: جمع وصيف وهو الغلام البالغ حدّ الخدمة أيضا. وقد يقال الوصيف للخادم غلاما كان أو جارية.

[7] نقلهم: أطعمهم النقل، والنقل: ما يتنقل به على الشراب من فستق وتفاح ونحوهما.

[8] النصب: غناء يشبه الحداء إلا أنه أرق.

[9] كذا في ط. وفي باقي الأصول: «يذروا منه شيئا» وهو تحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت