حسنه، فلما قدمت مكّة سألت عنه فدللت على منزله، فأتيته فقرعت الباب فما كلّمني أحد، فسألت بعض الجيران فقلت: هل في الدار أحد؟ قالوا [1] لي: نعم، فيها الغريض، فقلت: إنّي قد أكثرت دقّ الباب، فما أجابني أحد! قالوا: إن الغريض هناك، فرجعت فدققت الباب فلم يجبني أحد، فقلت: إن نفعني غنائي يوما نفعني اليوم، فاندفعت فغنّيت لحني في شعر جميل:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمي ويزيد
فو اللّه ما سمعت حركة الباب، فقلت: بطل سحري [2] وضاع سفري وجئت أطلب ما هو عسير عليّ، واحتقرت نفسي وقلت: لم يتوهّمني [3] لضعف غنائي عنده، فما شعرت إلا بصائح يصيح: يا معبد المغنّي، افهم وتلق عني شعر جميل الذي تغنّي فيه يا شقيّ البخت، وغنّى:
صوت للغريض ولم تذكر طريقته
وما أنس من الأشياء لا أنس قولها ... وقد قرّبت نضوي [4] أمصر تريد
ولا قولها لو لا العيون التي ترى ... أتيتك فاعذرني فدتك جدود
خليليّ ما أخفي من الوجد باطن [5] ... ودمعي بما قلت الغداة شهيد
/ يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وأيّ جهاد غير هن أريد
لكلّ حديث عندهنّ [6] بشاشة ... وكلّ قتيل بينهنّ شهيد
عروضه من الطويل. قال: فلقد سمعت شيئا لم أسمع أحسن منه، وقصّر [7] إليّ نفسي وعلمت فضيلته عليّ بما أحسّ من نفسه، وقلت: إنه لحريّ بالاستتار من الناس تنزيها لنفسه وتعظيما لقدره، وإنّ مثله لا يستحقّ الابتذال، ولا أن تتداوله الرجال، فأردت الانصراف إلى المدينة راجعا، فلما كنت غير بعيد إذا بصائح يصيح بي: يا معبد، انتظر [8] أكلّمك، فرجعت، فقال لي: إن الغريض يدعوك؛ فأسرعت فرحا فدنوت من الباب؛ فقال لي: أتحبّ الدخول؟ فقلت: وهل إلى ذلك من سبيل؟ فقرع الباب ففتح، فقال لي: ادخل ولا تطل الجلوس؛ فدخلت فإذا شمس طالعة في بيت، فسلّمت فردّ السلام، ثم قال: اجلس فجلست، فإذا أنبل الناس وأحسنهم وجها وخلقا وخلقا، فقال: يا معبد، كيف طرأت [9] إلى مكّة؟ فقلت: جعلت فداءك! وكيف عرفتني؟ فقال: بصوتك؛
[1] كذا في أ، م. وفي سائر النسخ: «فقال» .
[2] بطل سحري: ضاعت حيلتي وخاب مكري.
[3] أي لم يتبيني ولم يعرفني.
[4] النضو: المهزول من الإبل وغيرها.
[5] رواية «الأمالي» (ج 2 ص 299 طبعة دار الكتب) «ظاهر» .
[6] في أ، م، ء: «بينهن» .
[7] أي صغرها في عيني.
[8] كذا في ح. وفي سائر النسخ: «انظر» وهي بمعناها.
[9] أي كيف أقبلت فجأة إلى مكة.