أدركته يلبس ثوبين ممشّقين [1] ، وكان إذا غنّى علا منخراه [2] . فقالت عاتكة: يا سيّدي أو أدركت معبدا؟ قال: إي واللّه وأقدم من معبد. فقالت: استحييت لك من هذا الكبر [3] .
علوّ كعبه في صناعة الغناء
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد: قرأت على أبي أخبرني محمد بن سلّام قال حدّثني جرير/ قال: قال معبد: قدمت مكة فقيل لي: إنّ ابن صفوان قد سبّق [4] بين المغنّين جائزة، فأتيت بابه فطلبت الدخول، فقال لي آذنه: قد تقدّم إليّ ألّا آذن لأحد عليه ولا أؤذنه [5] به. قال فقلت: دعني أدنو [6] من الباب فأغنّي صوتا. قال: أمّا هذا فنعم. فدنوت من الباب، فغنّيت [صوتا] [7] ، فقالوا: معبد! وفتحوا لي، فأخذت الجائزة يومئذ.
أخبرني الحسين قال نسخت من كتاب حمّاد: قال أبي: وذكر عورك - وهو الحسن بن عتبة اللّهبيّ - أن الوليد بن يزيد كان يقول: ما أقدر على الحجّ. فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد:
القصر فالنخل فالجمّاء بينهما
و «قتيلة» [8] يعني لحنه:
يوم تبدي لنا قتيلة عن جي ... د تليع [9] تزينه الأطواق
قال إسحاق: قيل لمعبد: كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء؟ قال: أرتحل قعودي وأوقع بالقضيب على رحلي وأترنّم عليه بالشّعر حتى يستوي لي الصوت. فقيل له: ما أبين ذلك في غنائك! / قال إسحاق: وقال مصعب الزّبيريّ قال يحيى [10] بن عبّاد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير حدّثني أبي قال:
قال معبد: كنت غلاما مملوكا لآل قطن مولى [11] بني مخزوم، وكنت أتلقّى الغنم بظهر الحرّة، وكانوا تجارا أعالج لهم التجارة في ذلك، فآرتي صخرة بالحرّة ملقاة بالليل فأستند إليها [12] ، فأسمع وأنا نائم صوتا يجري في مسامعي، فأقوم من النوم فأحكيه، فهذا كان مبدأ غنائي.
[1] مصبوغين بالمشق بالكسر والفتح، وهو المغرة وهي صبغ أحمر.
[2] المنخر: ثقب الأنف.
[3] في ت، ح، ر: «من هذه الكبرة» .
[4] يقال: سبّق إذا أخذ السّبق أو أعطاه فهو من الأضداد. (انظر «اللسان» في مادة سبق) .
[5] أي أمرني ألا أدخل عليه أحدا ولا أعلمه به.
[6] في ت، ح، ر: «أدن» بغير واو وكلاهما صحيح.
[7] زيادة في ت.
[8] كذا في ت. وفي ح، ر: «و قتيلة يعني لحنه في» وهو قريب من الأوّل. وفي سائر النسخ: «و قبيلة تغنّي في لحنه: في يوم تبدى لنا الخ» وهو تحريف ظاهر.
[9] تليع: طويل. والبيت للأعشى. (انظر «التاج» في مادة تلع) .
[10] كذا في جميع النسخ. وقد ذكر في «تقريب التهذيب» : «يحيى بن عباد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزبير. وصوابه: عن عباد بن حمزة، وما ليحيى مدخل في ذلك» . يعني أن يحيى يروي عن عباد بن حمزة، وليس ابنا له.
[11] في ب، س: «موالي بني مخزوم» .
[12] كذا في ت. وفي سائر النسخ: «بها» .