فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 6876

يردّه؛ فقيل له: قد كبر وضعف واحتاج؛ فأذن له أن يدخل كلّ جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه. وكان هيت مولى لعبد اللّه بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ، وكان طويس له؛ فمن ثمّ قيل [1] الخنث.

وجلس يوما فغنّى في مجلس فيه ولد لعبد اللّه بن أبي أمية:

تغترق الطرف وهي لاهية

إلى آخر البيتين؛ فأشير إلى طويس أن اسكت؛ فقال: واللّه ما قيل هذان البيتان في ابنة غيلان بن سلمة وإنما هذا مثل ضربه هيت في أمّ بريهة؛ ثم التفت إلى ابن عبد اللّه فقال: يابن الطاهر، أوجدت عليّ في نفسك؟ أقسم باللّه قسما حقا لا أغنّي بهذا الشعر أبدا.

ضافه عبد اللّه بن جعفر فأكرمه وغناه:

قال إسحاق وحدّثنا أبو الحسن الباهليّ الراوية عن بعض أهل المدينة، وحدّثنا الهيثم بن عديّ والمدائنيّ، قالوا:

/ كان عبد اللّه بن جعفر معه إخوان له في عشيّة من عشايا الربيع، فراحت عليهم السماء بمطر جود فأسال [2] كلّ شي ء؛ فقال عبد اللّه: هل لكم في العقيق؟ - وهو متنزّه أهل المدينة في أيام الرّبيع والمطر - فركبوا دوابّهم ثم انتهوا إليه فوقفوا على شاطئه وهو يرمي بالزّبد مثل مدّ الفرات، فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء، فقال عبد اللّه لأصحابه ليس معنا جنّة نستنجنّ بها وهذه سماء خليقة أن تبلّ ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس فإنه قريب منا فنستكنّ فيه ويحدّثنا ويضحكنا؟ وطويس في النّظّارة يسمع كلام عبد اللّه بن جعفر؛ فقال له عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت: جعلت فداءك! وما تريد من طويس عليه غضب اللّه: مخنّث شائن لمن عرفه؛ فقال له عبد اللّه: لا تقل ذلك، فإنه مليح خفيف لنا فيه أنس؛ فلما استوفى طويس كلامهم تعجّل إلى منزله فقال لامرأته: ويحك! قد جاءنا عبد اللّه بن جعفر سيد الناس، فما/ عندك؟ قالت: نذبح هذه العناق [3] ، وكانت عندها عنيّقة قد ربّتها باللبن، واختبز خبزا رقاقا؛ فبادر فذبحها وعجنت هي. ثم خرج فتلقّاه مقبلا إليه؛ فقال له طويس: بأبي أنت وأمي؛ هذا المطر، فهل لك في المنزل فتستكنّ فيه إلى أن تكفّ السماء؟ قال: إياك أريد؛ قال: فامض يا سيدي على بركة اللّه، وجاء يمشي بين يديه حتى نزلوا، فتحدّثوا حتى أدرك الطعام، فقال: بأبي أنت وأمي، تكرمني إذ دخلت منزلي بأن تتعشّى عندي؛ قال: هات ما عندك؛ فجاءه بعناق سمينة ورقاق، فأكل وأكل القوم حتى تملّئوا [4] ، فأعجبه طيب طعامه، فلما غسلوا/ أيديهم قال: بأبي أنت وأمي، أتمشّى معك وأغنّيك؟ قال: افعل يا طويس؛ فأخذ ملحفة فأتزر بها وأرخى لها ذنبين، ثم أخذ المربّع [5] فتمشّى وأنشأ يغنّي:

يا خليلي نابني سهدي ... لم تنم عيني ولم تكد

كيف تلحوني [6] على رجل ... آنس تلتذّه كبدي

[1] كذا في ط، ء، ح. وفي سائر النسخ: «قيل الخنث» .

[2] كذا في أغلب النسخ. وفي ب، س، ح: «فانسال» ولم نجد هذه الكلمة في كتب اللغة. ولعلها محرفة عن «فانثال» بمعنى تتابع وانصب.

[3] العناق وزان سحاب: الأنثى من ولد المعز.

[4] تملئوا: امتلئوا من كثرة الأكل.

[5] المربع: آلة من آلات الطرب، يريد دفه لتربيعه كما سيأتي وصفه بذلك بعد في ص 37 من هذا الجزء.

[6] لحاه يلحوه ويلحاه (من بابي نصر وفتح) : لامه وعذله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت