فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب؛ فقال: نعم، بلغني أنّ سلما يتباصر [1] بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرفه؛ قالا: فأنشدناها، فأنشدهما:
بكّرا صاحبيّ قبل الهجير ... إنّ ذاك النجاح في التّبكير
حتى فرغ منها؛ فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إن ذاك النجاح» :
بكّرا فالنجاح في/ التبكير
كان أحسن؛ فقال بشّار: بنيتها أعرابيّة وحشيّة، فقلت: «إنّ ذاك النجاح» كما يقول الأعراب البدويّون، ولو قلت: «بكّرا فالنجاح» كان هذا من كلام المولّدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة؛ فقام خلف فقبّل بين عينيه؛ وقال له خلف بن أبي عمرو يمازحه: لو كان علاثة [2] ولدك يا أبا معاذ لفعلت كما فعل أخي، ولكنّك مولى، فمدّ بشار يده فضرب بها فخذ خلف وقال:
أرفق بعمرو إذا حرّكت نسبته ... فإنه عربيّ من قوارير
فقال له: أفعلتها يا أبا معاذ! قال: وكان أبو عمرو يغمز في نسبه.
وأخبرني ببعض هذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبّة عن أبي عبيدة، فذكر نحوه وقال فيه: إنّ سلما يعجبه الغريب.
قيل له إن فلانا سبك عند الأمير فهجاه:
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال قال حدّثنا محمد بن سلّام قال قال لي خلف:
كنت أسمع ببشّار قبل أن أراه، فذكروه لي يوما وذكروا بيانه وسرعة جوابه وجودة شعره، فاستنشدتهم شيئا من شعره، فأنشدوني شيئا لم يكن بالمحمود عندي، فقلت: واللّه لآتينّه ولأطأطئنّ منه، فأتيته وهو جالس على بابه، فرأيته [3] أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة، فقلت: لعن اللّه من يبالي بهذا، فوقفت أتأمّله طويلا، فبينما أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال: إنّ فلانا سبّك عند الأمير محمد بن سليمان ووضع منك؛ فقال: أو قد فعل؟ قال: نعم؛ فأطرق، وجلس الرجل عنده وجلست، وجاء قوم فسلّموا عليه فلم يردد عليهم، فجعلوا ينظرون إليه وقد درّت [4] أوداجه، فلم يلبث إلا ساعة حتى أنشدنا بأعلى صوته وأفخمه:
نبّئت نائك أمّه يغتابني ... عند الأمير وهل عليّ أمير
ناري محرّقة وبيتي واسع ... للمعتفين ومجلسي معمور
ولي المهابة في الأحبّة والعدا ... وكأنني أسد له تامور [5]
[1] يتباصر بالغريب: يظهر أنه بصير به.
[2] يريد أنه لو كان عربيا لقبله كما يدل على ذلك السياق. ويظهر أنه لا يريد بعلاثة اسما بعينه. ولكنه أتى بهذا الاسم لأنه خاص بالعرب.
[3] في أ، م، ء: «فرأيت» .
[4] درت: امتلأت دما؛ والأوداج: جمع ودج وهو عرق في العنق يقطعه الذابح فلا تبقى معه حياة.
[5] التامور: عرين الأسد.