رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
/ أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر
وليلة ذي دوران [1] جشّمتني السّرى [2] ... وقد يجشم الهول المحبّ المغرّر
فقلت: أباديهم [3] فإمّا أفوتهم ... وإمّا ينال السيف ثأرا فيثأر
هذه الأبيات جمعت على غير توال؛ لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعة. غنّى في الأوّل والثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن أحمد بن المكيّ وذكر حبش أن فيهما لمعبد لحنا من الثّقيل الأوّل بالبنصر.
وغنّى ابن سريج في الثالث والرابع أيضا خفيف ثقيل بالوسطى، وذكر حبش أن فيهما لحنا من الهزج بالوسطى لحكم [4] . وغنّى ابن سريج في الخامس والسادس لحنا من الرّمل بالوسطى عن عمرو بن بانه. وذكر يونس أن في السّابع والثامن لابن سريج لحنا ولم يذكر طريقته، وذكر حبش أن فيهما لمالك لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر.
/ أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان [5] قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب [6] عن هشام بن الكلبيّ:
أنّ عمر بن أبي ربيعة أتى عبد اللّه بن عباس وهو في المسجد الحرام فقال: متّعني اللّه بك! إنّ نفسي قد تاقت إلى قول الشّعر ونازعتني إليه، وقد قلت منه شيئا أحببت أن تسمعه وتستره عليّ. فقال: أنشدني، فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
فقال له: أنت شاعر يابن أخي، فقل ما شئت. قال: وأنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد اللّه بن عوف الزّهريّ وهو راكب، فوقف وما زال شانقا [7] ناقته حتى كتبت له.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني الحسين بن إسماعيل قال حدّثنا ابن عائشة عن أبيه قال:
[1] ذو دوزان (بفتح أوّله وبعد الواو راء مهملة وآخره نون) : موضع بين قديد والجحفة (ياقوت) .
[2] أي كلّفتني السير ليلا.
[3] أجاهرهم وأظهر لهم ومرجع الضمير فيه ظاهر في قوله من القصيدة:
فلما تقضي الليل إلا أقله ... وكادت توالي نجمه تتغوّر
أشارت بأن الحيّ قد حان منهم ... هبوب ولكن موعد منك عزور
فما راعني إلا مناد: ترحّلوا ... وقد لاح معروف من الصبح أشقر
فلما رأت من قد تنبه منهم ... وأيقاظهم قالت: أشر كيف تأمر
[4] في ب، س: «عن الحكم» .
[5] المرزبان، بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون، وهو يطلق في اللغة الفارسية على الرجل العظيم القدر، ومعناه بالعربية حافظ الحدّ، قاله ابن الجواليقيّ في كتابه «المعرّب» . (انظر ابن خلكان ج 1 ص 725) .
[6] كذا في ت. وفي سائر النسخ: «محمد بن أبي حبيب» وهو تحريف؛ إذ هو محمد بن حبيب أبو جعفر. قال ياقوت: من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب وكان ثقة مؤدّبا، ولا يعرف أبوه، وإنما نسب إلى أمّه. قال السيد مرتضى: «و محمد بن حبيب نسّابة، وحبيب هذه أمّه أو جدّته» . وكتبه صحيحة، وله مصنفات في الأخبار، منها كتاب «المحبّر» و «الموشّى» وغيرهما. مات بسامرّا في ذي الحجة سنة 245 في أيام المتوكل (راجع ترجمته في «معجم الأدباء» لياقوت «و بغية الوعاة» للسيوطيّ) .
[7] يقال: شنق البعير (من بابي ضرب ونصر) إذا جذبه بالشّناق حتى يرفع رأسه. والشناق كالزمام وزنا ومعنى.