ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام رائع وشافٍ في أمر المعاريض، سنكتفي به هنا لبيان هذه الحقيقة الشرعية الهامة، فقال رحمه الله في الفتاوى الكبرى (6/ 118) : (الْمَعَارِيضُ؛ وَهِيَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِكَلَامٍ جَائِزٍ يَقْصِدُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا، وَيَتَوَهَّمُ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَعْنًى آخَرَ، وَيَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ كَوْنَ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ لُغَوِيَّتَيْنِ أَوْ عُرْفِيَّتَيْنِ أَوْ شَرْعِيَّتَيْنِ، أَوْ لُغَوِيَّةٍ مَعَ أَحَدِهِمَا، أَوْ عُرْفِيَّةٍ مَعَ شَرْعِيَّةٍ؛ فَيَعْنِي أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ وَيَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى الْآخَرَ لِكَوْنِ دَلَالَةِ الْحَالِ تَقْتَضِيهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى، أَوْ يَكُونُ سَبَبُ التَّوَهُّمِ كَوْنَ اللَّفْظِ ظَاهِرًا فِيهِ مَعْنًى فَيَعْنِي بِهِ مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ بَاطِنًا فِيهِ بِأَنْ يَنْوِيَ مَجَازَ اللَّفْظِ دُونَ حَقِيقَتِهِ، أَوْ يَنْوِيَ بِالْعَامِّ الْخَاصَّ أَوْ بِالْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدَ، أَوْ يَكُونَ سَبَبُ التَّوَهُّمِ كَوْنَ الْمُخَاطَبِ إنَّمَا يَفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ غَيْرَ حَقِيقَتِهِ بِعُرْفٍ خَاصٍّ لَهُ أَوْ غَفْلَةٍ مِنْهُ أَوْ جَهْلٍ مِنْهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ، مَعَ كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ إنَّمَا قَصَدَ حَقِيقَتَهُ؛ فَهَذَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ جَائِزٌ، كَقَوْلِ الْخَلِيلِ - صلى الله عليه وسلم:"هَذِهِ أُخْتِي"، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"نَحْنُ مِنْ مَاءٍ"، وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ:"رَجُلٌ يَهْدِينِي السَّبِيلَ"، وَإنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرَهَا، وَكَانَ يَقُولُ:"الْحَرْبُ خَدْعَةٌ"،