(وأما المَقعد الخاص به والبيت الذي أعدّ له فانه إنما يدخله يوم القيامة، ويدل عليه أن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعدّ الله لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعًا، فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرّهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش، فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك، ونظير هذا أهل الشقاء تعرض أرواحهم على النار غدوًا وعشيًا فإذا كان يوم القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يُعرضون عليها في البرزخ، فتنعُّم الأرواح بالجنة في البرزخ شيء وتنعُّمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر، فغذاه الروح من الجنة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث) [1] .
-وفيه أنه لا تناقض بين: أن الروح في الجنة، وتردّ السلام في القبر وغير ذلك من أنواع النعيم والعذاب، قال ابن القيم رحمه الله الروح (ص 101) : (فإن للروح شأنًا آخر؛ تكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلّم المسلِّم على الميت ردّ الله عليه روحه فيردّ عليه السلام وهي في الملأ الأعلى، وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يُعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكانًا لم يمكن أن تكون في غيره، وهذا غلط محض، بل الروح تكون فوق السموات في أعلى عليين وتُردّ إلى القبر فتردّ السلام وتعلم بالمسلِّم وهي في مكانها هناك، وروح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرفيق الأعلى دائمًا ويردّها الله سبحانه إلى القبر فتردّ السلام على من سلَّم عليه وتسمع كلامه، وقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موسى قائمًا يصلى في قبرٍ ورآه في السماء السادسة والسابعة؛ فإما أن تكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر، وإما أن يكون المتصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس وجرمها في السماء) .
(1) - الروح (ص 97) .