-وفي فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه درسًا في كيفية الانحياز المنظم، وأن الرماة هم خير من يحمي ظهور الجيش ويمنع العدو من أي خطر يهدد قواتنا، وأن الرماة هم آخر من ينسحب من الميدان. وقد حدث لنا من ذلك الكثير إذ استطاع أبو عبد الرحمن التونسي رحمه الله في معركة بحي الجهاد كان بها هجوم على مركز مكافحة الإرهاب؛ أقول: استطاع أن يوقف وحده تقدم قوة كبيرة جاءت مددًا من العامرية وذلك بقنصه سائقي العربات المتقدمة ورماة"الدوشكا"فتوقفوا ثم رجعوا خائبين، وكان رحمه الله قد اتخذ موقعًا حسنًا فوق ظهر محل وموهه جيدًا، وقد حدثت له كرامة في ذلك اليوم - على ما أذكر- أن عتاده انتهى فإذا به يجد شاجورًا بجانبه ممتلئً فرحمه الله رحمة واسعة، فقد كان أعظم قناص سمعت أو قرأت عنه في حياتي، إذ قنص في يوم واحد ببغداد ثلاثة وستين كافرًا وبشهادة نحو عشرة أشخاص، فمن ترك ترف أوربا وجاء يسكب دمه في بلاد الرافدين راجيًا رفع راية الدين حريّ أن يوفقه الله، أسأل الله ألاّ يخيّب رجاءه.
ومن فوائد قصة سعد رضي الله عنه في هذه السرية:
-ما منّ الله به على سعد رضي الله عنه بتقديمه على الناس وتشريفه له وجعله أول من رمى في سبيل الله.
-وفيها معرفة الفضل لأهله وتعظيم أهل السبق في الدين، وأن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا يدركهم به اللاحقون ولو عظمت أعمالهم، وقد كان الفاروق يخصهم حتى في العطاء، فتقديم أهل السبق دين اليوم كما هو بالأمس ما داموا على الحق ثابتين.
-وفيها جواز أن يذكر الصالح ما قام به من عمل صالح تميّز به على غيره، وذلك إذا طُعن في دينه واتّهم في عين ما شرفه الله به، أو رجا فائدة تعود على دينه.