الأصل في النساء الستر، والابتعاد عن مواضع الرجال، ولكن يجاور جاره ويعرف حاله، وحال أبنائه في بضعة أيام، لماذا؟ لأن الأصل فيهم العلم.
وما كان الأصل فيه الخفاء ويتعذر على الإنسان معرفته فإنه يخفف فيه، وأن هذا ليس بمقدور الإنسان أن يصل إلى معرفة الحال، فيتسامح في ذلك، وأما بالنسبة إلى ما معرفته ممكنة ثم لا يعرف، يعني: أنه لا يحضر مجالس العلم، وليس معروفًا بالرواية، فلماذا لم يعرفه أهل بلده، ولهذا يقومون بالتشديد بجهالة الرجل وعدم التشديد بجهالة المرأة، وليس هذا يتعلق بحقوق المرأة، وإنما هو باب آخر، فيتسامحون في المرأة ولا يتسامحون في الرجل.
القرينة الخامسة: كثرة الحديث وقلته، ونحن قلنا: إن الأئمة عليهم رحمة الله ينظرون إلى رواية الراوي برواية الرواة عن المجهول، هل هم اثنان أو ثلاثة أو واحد، وهذا هو الغالب في كلام العلماء، ولكن قلنا: إنه ينظر للتلاميذ، ينظر لنوع الرواة، ينظر لنوع الشيوخ، ينظر إلى عدد الأحاديث، لماذا ننظر إلى عدد الأحاديث؟ لأن رواية المجهول ربما تكون عن شيخ واحد روى عنه حديثين، وربما ثلاثة، وربما أربعة، وربما له شيخان لم يرو عنهما إلا اثنين.
ولهذا نقول: قلة الشيوخ وقلة الرواة عنه من التلاميذ لا تعني كثرة وقلة، فربما لا يعرف هذا الراوي إلا في هذا الإسناد، ولكن لديه خمسة أو ستة أو عشرة من الأحاديث، وهذا أقرب إلى التعديل، لماذا؟ لأن لدينا آلة قد وضعها أمامنا لسبرها، وتقدم معنا تعريف السبر، وهو النظر في أحوال وأعيان معدودة للخروج بحكم على واحد.
مثلًا حينما يأتيك شخص، وأنت لست بخبير به من أهل البلد أو نحو ذلك، أليست مثلًا ملامح الناس ووجوه الناس تختلف؟ فيأتيك ويقول: احكم على وجه هذا الرجل هل هو مريض أو حزين أو ليس بحزين؟ تقول: لا. لا أستطيع، ملامح الناس تختلف، لكن أعطني عشرين من أهل البلد لأنظر إليهم، أو من إخوانه وأهله فأستطيع أن أنظر إليهم، ثم أخرج بحكم على هذا أن هذا يختلف عنهم، ولهذا إذا أعطاك الراوي مساحة كلما اتسعت قوي سبرك لك، فالمجهول الذي يروي عشرة أحاديث قد أعطاك آلة للخروج بحكم عليه، فتقوم بسبر عشرة أحاديث عليه، وإذا وجدت أن هذه الأحاديث مستقرة من جهة المعنى ومستقيمة لا تخالف الثقات، فتستطيع حينئذٍ أن تقول على هذا الراوي ثقة.
ولهذا بعض الذين يتعللون بالمجهول، ويربطون الجهالة برواية التلاميذ اثنين أو ثلاثة، ثم يقول: وجدنا راويًا ثالثًا إذًا نرفع الجهالة عنه، وربما عارضوا كلام الأئمة من المتقدمين، أو قالوا: هذا مجهول يتناقض فيه ذلك الإمام لماذا؟ لأنه قال في هذا الراوي: مجهول، وقال في هذا: ثقة، مع أن كلا الراويين لم يرو