والملاحم"للحافظ ابن كثير يرى العجب، فقد أطلق أبو عبية لعقله العنان فيما أورده ابن كثير من الأحاديث، فما رآه هو وقبله؛ فهو الحق، وما سوى ذلك؛ أوله بتأويلات مخالفة لظاهر الأحاديث، أو حكم على الأحاديث الصحيحة بالوضع؛ بدون دليل ولا برهان على صحيح."
يقول أبو عبية على أحاديث ابن صيَّاد:"هل الطفل مكلف؟ وهل يبلغ اهتمام الرسول بهذا المزعوم أن يقف إليه ويسأله هذا السؤال؟ وهل من المعقول أن ينتظر حتى يتلقى جوابه؟ وهل من المقبول أن يسمح له بهذا الجواب الكافر المدعي للنبوة والرسالة؟ وهل يبعث الله أطفالًا؟ أسئلة نسوقها إلى أولئك الذين يشلون عقولهم عن التفكير السديد الرشيد" [1] .
ويجاب عن كلام أبي عبية هذا بأنه لم يقل أحد: إن الطفل مكلف، ولا إن الله يبعث أطفالًا، وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطلع على أمر ابن صياد؛ أهو الدجال حقيقة أم لا؟ لأنه شاع في المدينة أنه الدجال الذي حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان لم يوح إليه في أمر ابن صياد شيئًا، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ما يكشف دجله - وهو مميز يعقل الخطاب - أن يقول له:"أتشهد أني رسول الله؟".. إلى أن قال له:"إني قد خبأت لك خبيئًا؟"إلى غير ذلك من الأسئلة التي وجهها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فليس المقصود بهذا الكلام تكليف ابن صيَّاد بالإسلام، وإنما القصد إظهار حقيقة أمره، وإذا كان القصد ما ذكرنا؛ فلا غرابة أن يقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليرى جوابه، وقد ظهر من جوابه أنه دجال من الدجاجلة.:
وأيضًاَ؛ فإنه ليس هناك أي مانع في أن يعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام
(1) "النهاية/الفتن والملاحم" (1/ 104) .