هذا الشعور هو من آثار الإيمان بالله واليوم الآخر، والإحساس بثقل التبعية، وعظم الأمانة، التي تحملها الإنسان وأشفقت منها السماوات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كل كبيرة وصغيرة مسؤول عنها، ومحاسب بها، ومجازى عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر:
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30] .
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] .
وأما الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء؛ فهو يحاول جاهدًا أن يحقق مآربه في الحياة الدُّنيا؛ لا هثًا وراء متعها، متكالبًا على جمعها، مناعًا للخير أن يصل الناس عن طريقه قد جعل الدُّنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه؛ إلا في حدود ما يحقق النفع له في هذه الحياة القصيرة المحدودة، يتحرك وحدوده هي حدود الأرض وحدود هذا العمر، ومن ثم يتغير حسابه، وتختلف موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة [1] ؛ لأنه مستبعد للبعث، {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 5، 6] .
هذا التصور الجاهلي المحدود الضيق جعل أهل الجاهلية يسفكون الدماء، وينهبون الأموال، ويقطعون الطريق؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء؛ كما صور الله حالهم بقوله تعالى: وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنيا
(1) انظر:"اليوم الآخر في ظلال القرآن" (ص 20) .