والذي يجب الإيمان به هو أن الله تعالى سيخرج للناس في آخر الزمان دابَّة من الأرض تكلِّمهم، فيكون تكليمها آية لهم دالة على أنهم مستحقون للوعيد بتكذيبهم آيات الله، فإذا خرجت الدابة؛ فهم الناس، وعلموا أنها الخارقة المنبئة باقتراب السَّاعة، وقد كانوا قبل ذلك لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدِّقون باليوم الموعود.
والذي يؤيد أن هذه الدَّابَّة تنطق وتخاطب الناس بكلام يسمعونه ويفهمونه هو أنه جاء ذكرها في سورة النمل، وهذه السورة فيها مشاهد وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان - عليه السلام -، فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها العام [1] .
قال أحمد شاكر رحمه الله:"والآية صريحةٌ بالقول العربي أنها (دابَّة) ، ومعنى (الدَّابَّة) في لغة العرب معروفٌ واضحٌ، لا يحتاج إلى تأويل ... ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه (الدَّابَّة) الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبلِّغ عن ربه، والمبيِّن آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم؛ ملحدو أوروبا الوثنيون الإباحيون، المتحلِّلون من كل خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا، فيجمجمون [2] ، ويحاورون، ويداورون، ثم"
(1) انظر:"في ظلال القرآن" (5/ 2667) .
(2) (الجمجمة) : هو أن لا يبين كلامه. انظر:"ترتيب القاموس المحيط" (1/ 533) .