وأيضًا؛ فإن الواقع يرد ذلك؛ فإننا في بداية القرن الخامس عشر الهجري، ولم يخرج الدجال، ولم ينزل عيسى - عليه السلام -، فيقتله، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، فهذه مئتا سنة لا بد منها [1] ، فعلى كلامه لو خرج الدجال الآن؛ لا بد من مئتي سنة، فيكون قيام السَّاعة بعد ألف وست مئة سنة.
وبهذا يتبين بطلان كل حديث ورد في تحديد مدَّة الدُّنيا.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه"المنار المنيف"أمورًا كلِّيَّة يُعرَف بها كون الحديث موضوعًا، فقال:"منها مخالفة الحديث صريح القرآن؛ كحديث مقدار الدُّنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا؛ لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة" [2] .
فإن ابن القيم عاش في القرن الثامن الهجري، فقال هذا الكلام، وقد مر على كلامه هذا أكثر من ست مئة واثنين وخمسين سنة، ولم تنقض الدُّنيا.
وقال ابن كثير:"والذي في كتب الإسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئتين من السنين، قد نص غير واحد من العلماء على تخطئتهم فيه، وتغليطهم، وهم جديرون بذلك، حقيقون به، وقد ورد في حديث:"الدُّنيا جمعة من جمع الآخرة"، ولا يصح إسناده"
(1) "الحاوي" (2/ 87) .
(2) "المنار المنيف" (ص 80) ، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. وانظر:"مجموع الفتاوى" (4/ 342) ، لشيخ الإسلام ابن تيمية.