فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 388

تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم. [1]

قال النووي في شرح هذا الحديث: معناه ارفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم، فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسان لبعد من يخاطبه ليسمعه، وأنتم تدعون الله تعالى، ليس هو بأصم ولا غائب، بل هو سميع قريب، وهو معكم بالعلم والإحاطة. [2]

وقال ابن حجر في الفتح: اربعوا: أي ارفقوا، ولا تُجهدوا أنفسكم. قال الطبري: فيه كراهة رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين. [3]

وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه سمع رجلا يرفع صوته بالدعاء فرماه بالحصى.

وعن ابن عمر قال أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا يعني في رفع الصوت بالدعاء.

وعن الحسن أنهما كرها أن يسمع الرجل جليسه شيئا من الدعاء.

وروى أيضا عن الحسن قال كانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع إلا همسا. [4]

وعن عبد الله بن نسيب قال: صليت إلى جنب سعيد بن المسيب المغرب، فلما جلست في الركعة الآخرة رفعت صوتي بالدعاء فانتهرني، فلما انصرفت قلت له: ما كرهت مني؟ قال: ظننتَ أن الله ليس بقريب منا؟.

فالحاصل أن الأدب مع من يسمع الهمس أن يدعو ويخفض الصوت بين يديه، كما هو عادة الخدم بين يدي الملوك، والله تعالي مالك الملوك، فأحري بأن يتأدب بآداب حسنة.

وتري كثيرا من أهل زماننا يعتمدون الصراخ في الدعاء والبكاء جهرًا خصوصًا في الجوامع حتي يعظم اللغط ويشتد وتستك المسامع وتستد، ولايدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المساجد، علي أنهم يشوشون من يصلي ويذكر ربه وذلك ممنوعٌ شرعًا وعقلًا.

وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت أي

(1) - مسلم: باب استحباب خفض الصوت بالذكر:13/ 221، الرقم: 4874.

(2) - شرح النووي علي مسلم: باب استحباب خفض الصوت بالذكر:9/ 68.

(3) - فتح الباري: بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي التَّكْبِيرِ 9/ 189.

(4) - مصيف ابن أبي شيبة: في رفع الصوت بالدعاء:2/ 371.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت