إلى غير ذلك من الروايات يطول ذكرها.
قلت: أن ما مر من الأحاديث النبوية والروايات الفقهيه دل على سنية الدعاء بعد المكتوبة مطلقا.
وقد علمت أن أصل الدعاء بعد المكتوبة سنة مستحبة، وبقي الكلام في أن الدعاء بعد المكتوبة قبل السنة هل هو مكروه أم لا؟
فنقول بعون الله تعالى: أن الأحاديث التي قدمنا تدل بظاهرها أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد السلام مباشرة قبل أن يصلي السنن الرواتب، كما هو المتبادر من قول رواة تلك الأحاديث: (إذا سلم) ، (إذا انصرف) ، و (إذا) هذه للمبادرة، (دبر الصلاة) ، ونحو ذلك من الألفاظ، وكثير من تلك الأحاديث يُصرِّح رواتها من الصحابة بأنهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بتلك الدعوات بعد المكتوبة، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هَدْيه أداء السنن الرواتب والنوافل في البيت، دون المسجد، فلو لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بتلك الدعوات بعد المكتوبة مباشرة، قبل أن ينصرف إلى بيته لما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر.
وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلي السنن والنوافل في البيت، فتدُلُّ عليه الأحاديث.
منها: ما أخرجه مسلم في {صحيحه} [1] عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التطوع، فقالت: كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي، ثم يخرج، فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى بيتي، فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يرجع إلى بيته، فيصلي ركعتين وكان يصلي بهم العشاء ثم يدخل بيتي، فيصلي ركعتين وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر وكان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا جالسا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين، ثم يخرج، فيصلي بالناس صلاة الفجر. [2]
ومنها: ومنها: ما أخرجه البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة، قال: حسبت أنه، قال: من حصير في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل
(1) - باب جواز النافلة قائما وقاعدا وفعل بعض الركعة قائما وبعضها قاعدا:4/ 70،الرقم: 1201.
(2) - حديث السيدة عائشة رضي الله عنها:49/ 48،الرقم: 22892.