إذا جَلَسَ المُتعلِّمُ مَجلِسَ عِلمٍ فينبغِي أنْ يكونَ حَريصًَا عَلَى الاِسْتِمَاعِ وَالإِنصَاتِ، وَهَذا التوجيهُ ربّانيٌّ مِنَ اللهِ جلّ وعلا، فقدْ وجّهَنَا اللهُ تعالى بِذلِكَ عِندَ استِماعِ أصلِ العُلومِ الإسلاميّةِ كِتابَ اللهِ تعالى، فقالَ سُبحانَهُ وَتعالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [1] ، قالَ القرطبيُّ رحِمهُ الله، فِي تفسيرِهِ هذِهِ الآيةَ:"وَالْإِنْصَاتُ: السُّكُوتُ لِلِاسْتِمَاعِ وَالْإِصْغَاءِ وَالْمُرَاعَاةِ. أَنْصَتَ يُنْصِتُ إِنْصَاتًا، وَنَصَتَ أَيْضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:"
قَالَ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ أَمْرُ سَيِّدِكُمْ ... فَلَمْ نُخَالِفْ وَأَنْصَتْنَا كَمَا قَالَا
وَيُقَالُ: أَنْصِتُوهُ وَأَنْصِتُوا لَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا قَالَتْ حَذَامُ فَأَنْصِتُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامُ" [2] ."
وقصّ لَنا اللهُ تعالى فِي قِصَّةِ مُوسى عليهِ السّلامِ عِندَمَا كلّمهُ الجبّارُ تبارَكَ وَتعالَى فقالَ: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [3] ، قَالَ القُرطُبيُّ -رحِمهُ اللهُ- فِي تفسِيرِه:"قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى} [4] فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ- قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي- رَحِمَهُ اللَّهُ- قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَمَّا قِيلَ لِمُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ:"فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى وَقَفَ عَلَى حَجَرٍ، وَاسْتَنَدَ إِلَى حَجَرٍ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَأَلْقَى ذَقَنَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَوَقَفَ يَسْتَمِعُ، وَكَانَ كُلُّ لِبَاسِهِ صُوفًا. قُلْتُ: حُسْنُ الِاسْتِمَاعِ كَمَا يَجِبُ قَدْ مَدَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ} [5] ، وَذَمَّ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْوَصْفِ فَقَالَ: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ} [6] الْآيَةَ". فَمَدَحَ الْمُنْصِتَ لِاسْتِمَاعِ كَلَامِهِ مَعَ حُضُورِ الْعَقْلِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِذَلِكَ أَدَبًا لَهُمْ، فَقَالَ: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا"
(1) سورة الأعراف: الآية (204) .
(2) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي. الجامع لأحكام القرآن: تفسير القرطبي. (مرجع سابق) . ج 7. ص 354.
(3) سورة طه: الآية (13) .
(4) سورة طه: الآية (13) سبق تخريجها.
(5) سورة الزمر: الآية (18) .
(6) سورة الإسراء: الآية (47) .