مُشكِلَةَ المُذاكرةِ هيَ مِنْ أهمِّ الصُّعُوباتِ الّتي ينبغِي على المُتعلِّمِ تجاوُزُها والاهتِمامُ بِها، قال:"وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ: آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ وَقِلَّةُ الْمُذَاكَرَةِ" [1] .
وقَدْ سَافَرَ الإمامُ أبو حَامِدٍ الغَزاليُّ رحِمه اللهُ إلى جَرْجانَ وقرأَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِها وَهُوَ صَغِيرٌ، وكانَ يكتُبُ تعليقاتِ أُستاذِهِ في الفِقهِ والفَوائدَ الَّتي أَخَذَهَا مِنهُ وجَمَعَهَا في كَرَارِيسَ سمّاهَا (التعليقَةَ) وقَدْ كَانَ يُريدُ الاكتِفَاءَ بِالكِتَابَةِ دُونَ الِحفظِ، غيرَ أنَّ هَذا لقّنهُ دَرْسًا قاسيًا، حيثُ قُطِعَ عَليهَ الطّرِيقُ وهوَ في طَرِيِق عودتِهِ إِلى طُوسٍ، وأَخَذَ قُطّاعُ الطّريقِ جَميعَ مَا كانَ مَعَ القَافِلةِ بِما فِيهِ الِمخْلاةَ - أيْ: حقِيبةَ أبي حَامِدٍ الّتي كَانَتْ فِيهًا تَعليقَتُهُ- وقدْ حَكَى الإمامُ السُّبكيُّ فِي طَبَقاتِ الشّافعيّةِ الكُبرى القِصَّةَ فقَالَ:"قَالَ الإِمَامُ أسْعَدَ المَيهَنيُّ فَسَمِعتُهُ يَقُولُ قُطِعَتْ عَلَينا الطَّرِيق وَأخَذَ العيَّارُونَ جَمِيعَ مَا مَعِيَ وَمَضَوا فتَبَعْتُهُمْ فَالْتَفتَ إِلَيَّ مُقَدَّمُهُمْ وَقَالَ ارْجِع وَيحَكَ وَإِلَّا هَلَكتَ، فَقُلتُ لَهُ أَسأَلُكَ بِالَّذِي تَرجُو السَّلامَة مِنْهُ أَنْ ترُدَّ عليّ تعليقَتِي فَقَط فَمَا هِيَ بِشَيْء تنتفعون بِهِ، فَقَالَ لي وَمَا هِيَ تعليقتُكَ؟"
فَقلتُ كتُبٌ فِي تِلْكَ المِخْلَاةِ هَاجَرتُ لِسَمَاعِهَا وكِتَابَتِها وَمَعْرِفَة عِلمِهَا.
فَضَحِكَ وَقَالَ: كَيفَ تَدّعِي أَنَّكَ عَرَفْتَ عِلمَهَا وَقدْ أَخَذْنَاها مِنْك فتجَرّدَتَ مِنْ مَعْرفَتهَا وَبقيتَ بِلَا عِلمٍ، ثمَّ أَمَرَ بَعضَ أَصْحَابِهِ فَسلَّمَ إِلَيَّ المِخلاةَ.
قَالَ الْغَزالِيّ فَقُلتُ هَذَا مُستَنْطقٌ أنطَقَهُ اللهُ ليُرشِدَنِي بِهِ فِي أَمْرِي فَلَمَّا وافَيتُ طُوسَ أَقبلتُ عَلَى الِاشْتِغَال ثَلَاث سِنِين حَتَّى حَفِظتُ جَمِيع مَا علَّقتُهُ وصِرتُ بِحَيْثُ لَو قُطِعَ عَلَيّ الطَّرِيقُ لمْ أتجرّدَ مِنْ عِلمِي" [2] ."
وقدْ قسَّمَ المُصنِّفُ -رحِمهُ اللهُ- المُذاكرَةَ إلَى قِسمينِ:
أ المُذاكرةُ الفرديّةُ:
قال ابنُ مفلح -رحمه الله-:"وَفِي شَرْحِ خُطْبَةِ مُسْلِمٍ بِالْمُذَاكَرَةِ يَثْبُتُ الْمَحْفُوظُ"
(1) (المرجع السابق) : ج 2. ص 224.
(2) السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين. طبقات الشافعية الكبرى. تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو. هجر للطباعة والنشر والتوزيع. ط 2. 1413 ه. فصل مبدأ طلب = حجة الإسلام العلم. ج 6. ص 195.