التدرُّج يكون في أيِّ فنٍّ من فنون العِلم، العُلوم الشرعيّة، والعُلوم الطبيعيّة، لِذا صار من الأهميّة بمكان للمعلِّم أن يولي هذا الأمر جانِبًا من اهتِمامِه، فلا يُلقي العُلوم جُملةً واحدة، ولكن يبدأُ بالتدرُّج من المهمِّ إلى الأهمّ، لِذا فإنّ الإمام ابن مُفلح - رحمه الله - أشار إلى رأي الإمام أحمد بأن يبدأ الصغير أوّلًا بتعلُّم القرآن كيْ يتعوّد القِراءة فتكونُ كالمِفتاحِ لغيرِها:"قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك أَبْدَأُ ابْنِي بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالْحَدِيثِ قَالَ: لَا بِالْقُرْآنِ قُلْتُ: أُعَلِّمُهُ كُلَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ يَعْسُرَ فَتُعَلِّمَهُ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ لِي: إذَا قَرَأَ أَوَّلًا تَعَوَّدَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ لَزِمَهَا" [1] ، وتعدُّ هذه الطريقة من طرائِقِ التدريسِ القديمة، والّتي لا يستغني عنها المعلِّمُ في العصرِ الحديث.
وأشارَ الإمام ابنُ مُفلح - رحمه الله - إلى هذا التدرُّجِ في طلبِ العِلم، قبل الإنشغالِ بالأعمالِ الدُّنيويّة الّتي تصرِفُ التلميذ عن العِلم إمّا صرفًا كُليًّا أو جُزئيًا، يقول المصنِّف:"وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسوّدُوا. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِ الْعُزْلَةِ: يُرِيدُ مَنْ لَمْ يَخْدِم الْعِلْمَ فِي صِغَرِهِ يَسْتَحِي أَنْ يَخْدِمَهُ بَعْدَ كِبَرِ السِّنِّ وَإِدْرَاكِ السُّؤْدُدِ قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ مَنْ تَرَأَّسَ فِي حَدَاثَتِهِ كَانَ أَدْنَى عُقُوبَتِهِ أَنْ يَفُوتَهُ حَظٌّ كَثِيرٌ مِنْ الْعِلْمِ" [2] .
ث التّكرارُ في التَعلِيمِ:
وهذا الأسلوبُ، من الأساليبِ القديمة في الحُصولِ على المعلومة والإحتفاظِ بِها، والمقصود هنا تكرارُ المعلومة، سواءٌ أكان ذلك من قِبلِ المُعلم أو الطالب، حيثُ أنّ هذا التكرار له أثر إيجابي في تحصيلِ التلاميذِ ويزيدُ من نسبةِ الاحتفاظ بالمعلومة، وكذلك بقاءُ أثرِ التعلُّم بشكلٍ
(1) المقدسي، محمد بن مفلح المقدسيّ. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 120.
(2) (المرجع السابق) : ج 2. ص 134 - 135.