قال المصنِّفُ -رحمه الله:"فصلٌ فيمن استدان وليس عنده وفاء وهو ينويه"ثمّ قال:"وَتَلْخِيصُ مَا سَبَقَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَالًا بِغَيْرِ سَبَبٍ مُحَرَّمٍ يَقْصِدُ الْأَدَاءَ وَعَجَزَ إلَى أَنْ مَاتَ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا، أَوْ ظَاهِرًا نَظَرٌ، وَلَمْ أَجِدْ مَنْ صَرَّحَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْحَابِ وَسَبَقَ كَلَامُ الْقَاضِي وَالْآجُرِّيِّ وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ: لَا يُطَالَبُ وَلَيْسَ إنْفَاقُهُ فِي إسْرَافٍ وَتَبْذِيرٍ سَبَبًا فِي الْمُطَالَبَةِ بِهِ خِلَافًا لِلْآجُرِّيِّ مَعَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِإِنْفَاقِهِ فِي وَجْهٍ غَيْرِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ."
وَأَمَّا مَنْ أَخَذَهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ وَعَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ وَنَدِمَ وَتَابَ فَهَذَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ ذَكَرَ خِلَافَ هَذَا مِنْ الْأَصْحَابِ إلَّا مَا فَهِمَهُ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ مَعَ أَنَّهُ فَهِمَ مَعَ الْقُدْرَةِ أَيْضًا وَهَذَا غَرِيبٌ بَعِيدٌ لَمْ أَجِدْ بِهِ قَائِلًا، وَإِنْ احْتَجَّ أَحَدٌ لِذَلِكَ بِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى أَدَاءِ الْحَقِّ تَابَ إذَا لَمْ يُؤَدِّهِ؛ وَلِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ كَذَا فَأَقَرَّ بِهِ أُلْزِمَ بِأَدَائِهِ وَأَنَّهُ لَوْ أَجَابَ: تُبْتُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُنِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ وَأَنَّهُ لَوْ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ لَتَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ وَبَطَلَتْ الْحُقُوقُ" [1] ."
3 -في بعضِ المواضِعِ ينقُلُ من حِفظِهِ رحمه الله تعالى:
قال -رحِمه الله-:"وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَظُنُّهُ أَوَّلَ كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَحْضَرَ عِنْدَ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ صُورَةَ أَجْنَبِيَّةٍ مُحَرَّمَةٍ أَنَّهُ يَأْثَمُ ... الخ" [2] ، ونتبيّنُ من ذلك قوّة حِفظِهِ وسَعَةَ اطِّلاعِهِ رحمه الله تعالى.
4 -وكانَ بارِعًا في الُّلغة العربيّة:
فاللّغة العربيّةُ هي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، لذا كان العلماء السابقون يهتمون بها أشدّ الإهتمام، ويولونها أشد العناية، وقد كان الإمام ابن مفلح -رحمه الله- بارعا فيها أشد البراعة، وهذا واضِحٌ في قوله، مَثَلًا -رحمه الله:"وقد ذكره سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَتَكَلَّمَ عَلَى"
(1) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1 ص 129.
(2) (المرجع السابق) ج 1 ص 153.