وكان الله تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها، وهو الذي قدر الأشياء وقضاها،
(وكان الله تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها) ، أي قبل وجود الأشياء وتحققها في عالم الإبداع، وهذا معنى قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26] وما ثبت قدمه استحال عدمه، فلا يحتاج إلى أنه يقال كان زائدة أو رابطة.
(وهو الذي قدر الأشياء وقضاها) ، أي والحال أنه قدر الأشياء على طبق إرادته وحكم وفق حكمته في الإنشاء، وفيه غيمان إلى مضمون قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] ، أي ألا يعلم قبل الإنشاء من خلق الأشياء؟ فعلمه قديم وبعض متعلقاته حادث، وقد قال الله تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61] ، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال القلم: ماذا أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) )، وفي هذا التحقيق دلالة على ما قاله أهل الحق من أن (حقائق الأشياء ثابتة) .
وقال الإمام الأعظم رحمه الله في كتابه الوصية: ثم نقر بأن تقدير الخير والشر كله من الله تعالى لقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] ، ومن زعم أن تقدير الخير والشر من عند غير الله كان كافرا بالله وبطل توحيده لو كان له التوحيد. انتهى.
وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .