فهرس الكتاب
بالإمعان في الطلب لضرب من الجهل به، ومبتلى بالوقوف عن الطلب لكونه مكرما بنوع من العلم فيه؛ ومعنى الابتلاء من هذا الوجه ربما يزيد على معنى الابتلاء في الوجه الأول، فإن الابتلاء بمجرد الاعتقاد مع التوقف في طلب المراد بيان أن العقل لا يوجب شيئا ولا يدفع شيئا، فإنه يلزمه اعتقاد الحقيقة فيما لا مجال للعقل فيه ليعرف أن الحكم لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. انتهى.
وحاصله: أن الوجه الثاني هو الأقوى، فإنه إيمان بالأمر الغيبي اللاريبي الذي لا حظ للعقل فيه ولا لذة للطبع، بل مجرد اتباع الحق على ما ورد به السمع من جانب الشرع، بخلاف الأول حيث اعتمد على عقله وعول على فهمه، وبهذا يظهر أن الانقياد في العبادات التعبدية أفضل وأكمل من غيرها، إذ لا حظ للنفس فيها، بل محض متابعة أمر الحق في تحصيله.
ومن ثم قال الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] . وورد: (لا أدري) ، نصف العلم، وقيل: العجز عن درك الإدراك إدراك. وقد سئل علي رضي الله عنه عن مسألة فقال: لا أدري، وهو على المنبر، فقيل له: كيف تطلع فوق هذا المقام الأنور وتقول لا أدري في جواب السؤال الأزهر؟ فقال: إني صعدت بقدر علمي بالأشياء، ولو طلعت بمقدار جهلي لبلغت السماء.
وقد وقع لأبي يوسف رحمه الله مثل هذا السؤال، وأجاب بذلك