وهذا لا يحتمل التأويل، فكيف يكون المعدوم شيئا؟ فتسمية الشيء في الآيتين السابقتين باعتبار المآل، والله أعلم بالحال، وسيأتي زيادة تحقيق لذلك. ثم اعلم أن إضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بإلى الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته، وموضوعه صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته واختلاف متعلقاته وتعديته بنفسه، فإنه إن عدي بنفسه فمعناه التوقيف والانتظار كقوله تعالى: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13] ، وقوله تعالى: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] ، وإن عدي بفي فمعناه التفكر والاعتبار كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185] وإن عدي بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} [الأنعام: 99] ، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر. قال الحسن البصري: نظرت، أي الوجوه إلى ربها فنظرت بنوره.
ولا يلزم من الرؤية الإدراك والإحاطة، فلا ينافي قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] ، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا} [الشعراء: 61، 62] ، فلم ينف موسى الرؤية وإنما نفى الإدراك، فالرب تعالى يرى كما يعلم ولا يحاط به علما، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه من حقيقة