••ـــ
الثاني هو المبدوء به في حال الاعتبار، ولأن الشارع اكتفى بمجرد الإقرار ولم يفرق في الحكم بين المرافق والمنافق وبين الأبرار والفجار.
وقال الإمام الأعظم في كتابه (( الوصية ) ): الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا، لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون كلهم مؤمنين، وكذلك المعرفة وحدها أي مجرد التصديق لا يكون إيمانا، لأنها لو كان إيمانا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين، قال الله تعالى في حق المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] ، أي في دعواهم الإيمان حيث لا تصديق لهم، وقال الله تعالى في حق أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] . انتهى.
والمعنى أن مجرد معرفة أهل الكتاب بالله وبرسوله لا ينفعهم حيث ما أقروا بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورسالته إليهم وإلى الخلق كافة، فإنهم كانوا يزعمون أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، فإقرارهم بهذا الطريق لا يكون خالصا.
ثم التصديق ركن حسن لعينه لا يحتمل السقوط في حال من الأحوال، بخلاف الإقرار، فإنه شرط أو شطر وركن حسن لغيره، ولهذا يسقط في حال الإكراه وحصول الأعذار، وهذا لأن اللسان ترجمان الجنان فيكون دليل التصديق وجودا وعدما، فإذا بدله بغيره في وقت يكون متمكنا من إظهاره كان كافرا؛ وأما إذا زال تمكنه من الإظهار بالإكراه لم يصر كافرا، لأن سبب الخوف على نفسه دليل ظاهر على بقاء التصديق في