محمد بن سلمة رحمه الله: يبرأ عن الكل. قال الفقيه أبو الليث: حكم القضاء ما قاله محمد بن سلمة، وحكم الآخرة ما قاله نصير. وفي القنية: من عليه حقوق فاستحل صاحبها ولم يفصلها فجعله في حل يعذر إن علم أنه لو فصلها يجعلها في حل، وإلا فلا. قال بعضهم: إنه حسن وإن روي أنه يصير في حل مطلقا.
وفي الخلاصة: رجل قال لآخر: حللني من كل حق هو لك، ففعل، فأبرأه، إن كان صاحب الحق عالما به برئ حكما بالإجماع؛ وأما ديانة، فعند محمد رحمه الله، لا يبرأ، وعند أبي يوسف يبرأ، وعليه الفتوى. انتهى.
وفي أنه خلاف ما اختاره أبو الليث، ولعل قوله مبني على التقوى.
وأما إن كانت المظالم في الأعراض كالقذف والغيبة فيجب في التوبة فيها مع ما قدمناه في حقوق الله أن يخبر أصحابها بما قال من ذلك ويتحلل منهم، فإن تعذر ذلك فليعزم على أنه متى وجدهم تحلل منهم، فإذا حللوه سقط عنه ما وجب عليه لهم من الحق، فإن عجز عن ذلك كله بأن كان صاحب الغيبة ميتا أو غائبا مثلا فليستغفر الله، والمرجو من فضله وكرمه أن يرضي خصماءه من خزائن إحسانه، فإنه جواد كريم رؤوف رحيم
وفي روضة العلماء: الزاني إذا تاب تاب الله عليه، وصاحب الغيبة إذا تاب لم يتب الله عليه حتى يرضى عنه خصمه. قلت: ولعل هذا معنى ما ورد: (( الغيبة أشد من الزنا ) ) [1] .
(1) ) للإمام البستي: روى أحمد في مسنده 5/ 225، عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية ) )، ورواه الدارقطني من طريق الفريابي، عن كعب، ثم قال الدارقطني بعد إخراجه: وهذا أصح من المرفوع.
قال المحدث الشيخ شعيب: والوقف هو الصواب كما قال الدارقطني وأبو حاتم. وقول من قال ممن ينتحل الحديث في عصرنا: (( وهذا الموقوف في حكم المرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي ) )_ ذكر ذلك في الصحيحة 1033، والروض النضير 459 وغيرها _، قول ساقط لا وزن له، لأن أهل العلم قيدوا ذلك بأن يكون الواقف من الصحابة، وأن لا يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، وكلاهما هنا منتفيان في هذا الحديث، فإن كعب الأحبار _ راوي الخبر _ أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة أيام عمر رضي الله عنهم، ولقد ثبت أن عمر قال لكعب يوما: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة. إلخ قال الشيخ شعيب: وقد أورد الإمام ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات 2/ 248، من جهة متنه، فقال بعد أن أعلّه بالوقف على كعب: واعلم أن مما يردّ صحته أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنا يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل نعمة لا تتعدى ارتكاب نهي. فلا وجه لصحة هذا. اهـ. وتمام الكلام في العواصم والقواصم. تحقيق الشيخ شعيب 9/ 477. أقول: رحم الله الإمام الأعمش لما قال لتلميذه الإمام أبي حنيفة وقد أفتى أمامه واستدل بأحاديثه: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. فليتفقه أهل الحديث وليدرس الحديث أهل الفقه. والله الموفق.
وخبر (الغيبة أشد من الزنى) مثل السابق، رواه ابن حبان في الضعفاء، وغيره قال فيه الزبيدي .. وفيه عباد بن كثير وهو متروك، إتحاف السادة المتقين، للزبيدي 7/ 533، وأورده العجلوني في كشف الخفاء، وقال: قال الصنعاني موضوع 2/ 106، وعباد بن كثير قال فيه أحمد: روى أحاديث كذب لم يسمعها، كان صالحا، (قيل) : فكيف روى ما لم يسمع؟ قال: البله والغفلة. انظر: تهذيب التهذيب 5/ 81، ط دار الفكر.
العجب كيف يستهين أولئك الرواة بقضية الزنى فيجعلونها أخف أخف من درهم ربا يأكله المسلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال حذيفة رضي الله عنه: كفارة من اغتبته أن تستغفر له. قال سفيان بن عيينة بل تستغفر مما قلت فيه، الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 93