فهرس الكتاب
هو القرآن كلامه سبحانه، لأن كلماتهما وآياتهما أدلة كلامه وعلامات مرامه، ولأن مبدأ نظمهما من الله تعالى؛ ألا ترى أنك إذا قرأت حديثا من الأحاديث قلت هذا الذي قرأته وذكرته ليس قولي بل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن مبدأ نظم ذلك القول من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنه قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} [البقرة: 75] ، وقوله عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6] .
واعلم أن ما جاء في كلام الإمام الأعظم وغيره من علماء الأنام من تكفير القائل بخلق القرآن، فمحمول على كفران النعمة لا كفر الخروج من الملة، بخلاف المعتزلة في هذه المسألة، بل التحقيق أن لا نزاع في هذه القضية، إذ لا خلاف لأهل السنة في حدوث الكلام اللفظي، ولا نزاع للمعتزلة في قدم الكلام النفسي لو ثبت عندهم بالدليل القطعي. وأما حديث: (( من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر ) )فغير ثابت، مع أنه من الآحاد وقابل للتأويل في بيان المراد، والقول بأن المراد بالمخلوق المختلق بمعنى المفتري.
ومع هذا لا يجوز لأحد أن يقول: القرآن اللفظي مخلوق؛ لما فيه من الإيهام المؤدي إلى الكفر، وإن كان صحيحا في نفس الأمر باعتبار بعض إطلاقات القرآن؛ فإنه يطلق على القراءة كقرآن الفجر، ويطلق على المصحف كحديث: (( لا تسافروا بالقرآن في أرض العدو ) ) [1] ، ويطلق على
(1) ) (لا تسافروا بالقرآن) ، البخاري، جهاد 129، مسلم، إمارة 193. قال العلماء وذلك إذا لم يكن للمسلمين شوكة، أو جاء به الأمان من أرض العدو. وذلك خشية إهانتهم للقرآن الكريم. وإلا فلا بأس به كما يفعل المسلمون اليوم بل ينقلون المصاحف إلى المسلمين المقيمين بأرض العدو.