إذا تأملنا العصر الذي ولد فيه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، نجده عصراً يضطرم بنيران الاضطرابات والفتن، وتمزق شمل الجزيرة، وانتشار الخوف والهلع في شتى الجهات.
ومن المسلم به أن عصراً هذا صفته لا يشجع على طلب العلم والتحصيل والعكوف على البحث والتنقيب في الكتب، إنه عصر يلتمس فيه الإنسان الأمن والطمأنينة، ويبحث عن لقمة العيش والكفاف، ومتى توفر ذلك له، اكتفى ولم يبحث عن درجات الرقي والسمو.
وإذا أدركنا هذه الحقيقة المرة، ندرك أية عبقرية كانت كامنة في جوانح الشيخ المترجم له؛ فقد أجمع أمره على أن يقف حياته على طلب العلم، وأن يعطي نفسه أمناً وطمأنينة وسكينة خاصة تصل برباطها الوثيق بينه وبين المهمة التي أزمع أن يقف حياته عليها، فتراه إذ ذاك في وادٍ وأغلب ناشئة عصره ـ من زملائه وأترابه ـ في واد آخر، ولعمر الحق إن هذا هو الطموح والمثابرة الذي يعجز عنه بعض الكبار فضلاً عن الصغار، ولكنها الهمم العلية، واستسهال الصعاب مهما كانت مكابدتها، وصدق الشاعر إذ يقول:
لأستَسهلنَّ الصَّعْبَ أو أدرِك المُنى *** فما انقادتِ الآمالُ إلا لِصابرِ ( [9] )
لقد ارتضى المترجم له العلم والمعرفة خديناً وأليفاً، ولم يرق في نظره ـ من رجال زمنه ـ سوى طبقة العلماء؛ فلازمهم ملازمة الظل، وأكب على الاغتراف من معين علمهم وفضلهم وأخلاقهم، فتغذى أطيب غذاء، وروى أكرم ريٍّ، وكابد المصاعب والمشاق؛ يسهر الليل، ويجتهد في النهار؛ لا فرق عنده بين ليل الصيف والشتاء، حتى حصَّل ما أراد، وحقق ما أمل، ووفق إلى تحقيق مبتغاه، وهكذا المكافحون المثابرون يقطفون الثمرة في النهاية شهية يانعة، وصدق الشاعر إذ يقول:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرح للأبواب أن يلجأ ( [10] )