فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 381

مرتبةٌ لا إشكالَ في وَقْعِ الاختيارِ فيهَا، ومَرْتَبَةٌ لا إشكالَ في عدمِ الاختيارِ فيهَا. ومرتبةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بينهمَا.

أمَّا المرتبةُ الْأُولَى: فإصدارُ الصِّيغةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعِتْقِ بنفسِهَا. ولا شكَّ في دخولِهَا في مدلولِ الحديثِ.

وأمَّا المرتبةُ الثَّانيةُ: فمثالُهَا: مَا إذا وَرِثَ بعضَ قريبِهِ، فَعَتَقَ عليْهِ ذلكَ البعضَ. فلا سِرَايَةَ ولا تقويمَ عِنْدَ الشافعيَّةِ. ونصَّ عليْهِ أيضًا بعضُ مُصَنِّفِي مُتَأَخِّرِي المالكيَّةِ والحنفيَّةِ، لعدمِ الاختيارِ في الْعِتْقِ وسببِهِ معًا.

وعنْ أحمدَ روايةٌ أنَّه يَعْتِقُ عليْهِ نصيبَ الشَّريكِ، إذا كانَ مُوسِرًا. ومن أمثلتِهِ: أن يُعَجِّزَ الْمُكَاتَبُ نفسَهُ، بعدَ أن اشترَى شِقْصًا يَعْتِقُ على سِيِّدِهِ. فإنَّ الْمِلْكَ والْعِتْقَ يَحْصُلُ بغيرِ اختيارِ السيِّدِ. فهوَ كالإرثِ.

وأمَّا المرتبةُ الثَّالثةُ الْوُسْطَى: فهيَ مَا إذا وُجِدَ سببُ الْعِتْقِ باختيارِهِ. وهذا أيضًا تختلفُ رُتَبُهُ. فمنهُ مَا يَقْوَى فيهِ تنزيلُ مباشرةِ السَّببِ مَنْزِلَةَ مباشرةِ الْمُسَبَّبِ، كقولِهِ لبعضِ قريبِهِ في بيعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ. وقد نَزَّلَهُ الشَّافعيَّةُ منزلةَ المباشِرِ. وقد نصَّ عليْهِ أيضًا بعضُ المالكيَّةِ في الشِّراءِ والْهِبَةِ. وينبغِي أن يكونَ من ذلكَ تَمْثِيلُهُ بعبدِهِ، وعندَ مَن يَرَى الْعِتْقَ بِالْمُثلَةِ. وهوَ مالكٌ وأحمدُ. ومنهُ مَا يَضْعُفُ عن هذا. وهوَ تعجيزُ السيِّدُ الْمُكَاتَبَ، بعدَ أن اشترَى شِقْصًا ممَّن يَعْتِق على سَيِّدِهِ. فَانْتَقَلَ إليهِ الْمِلْكُ بالتَّعجيزِ الَّذي هوَ سببُ الْعِتْقِ، فإنَّهُ لمَّا اختارَهُ كانَ كاختيارِهِ لسببِ الْعِتْقِ بالشراءِ وغيرِهِ. وفيهِ اختلافٌ لأصحابِ الشافعيِّ.

ووجهُ ضَعْفِ هذا عن الأوَّلِ: أنَّه لم يَقْصِد التملُّكَ. وإنَّما قَصَدَ التَّعجيزَ. وقد حَصَلَ الْمِلْكُ فيه ضِمْنًا، إلَّا أنَّ هذا ضعيفٌ. والأوَّلُ أقوَى.

التَّاسعُ: الحديثُ يَقْتَضِي الاختيارَ في الْعِتْقِ. وقد نَزَّلُوا مَنْزِلَتَهُ الاختيارَ في سببِ الْعِتْقِ على الوجهِ الَّذي قَدَّمْنَاهُ. ولا يَدْخُلُ تحتَهُ اختيارُ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عليْهِ بالْعِتْقِ. ففرقٌ بَيْنَ اختيارِهِ مَا يُوجِبُ الْعِتْقَ في نفسِ الأمرِ، وبينَ اختيارِهِ مَا يُوجِبُه ظاهرًا.

فعلى هذا إذا قالَ أحدُ الشَّريكيْنِ لصاحبِهِ: قد أَعْتَقْتُ نصيبَكَ -وهمَا مُعْسِرَانِ عِنْدَ هذا القولِ- ثم اشترَى أحدُهُمَا نصيبَ صاحبِهِ. فإنَّه يُحْكَمُ بِعِتْقِ النَّصيبِ الْمُشْتَرَى، مُؤَاخَذَةً للمشترِي بإقرارِهِ. وهل يَسْرِي إلى نصيبِهِ؟

مُقْتَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ: أن لا يَسْرِيَ؛ لأنَّه لم يَخْتَرْ مَا يُوجِبُ الْعِتْقَ في نفسِ الأمرِ، وإنَّما اختارَ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بهِ ظاهرًا.

وقالَ بعضُ الفقهاءِ مَن الحنابلَةِ: يُعْتَقُ جميعُهُ. وهوَ ضعيفٌ.

العاشرُ: الظَّاهرُ أنَّ المرادَ بالْعِتْقِ عِتْقُ التَّنْجِيزِ. وأجرَى الفقهاءُ مَجْرَاهُ: التَّعليقَ بالصفةِ، مع وجودِ الصفةِ. وأمَّا الْعِتْقُ إلى أجَلٍ فَاخْتَلَفَ المالكيَّةُ فيهِ. فالمنقولُ عن مالكٍ وابنِ القاسمِ: أنَّه يُقَوَّمُ عليْهِ الآنَ. فَيَعْتِقُ إلى أجلٍ. وقالَ سُحْنُوْنٌ: إن شاءَ الْمُتَمَسِّكُ قَوَّمَ السَّاعةَ، فكانَ جميعُهُ حُرًّا إلى سنةٍ مثلًا، وإن شاءَ تَمَاسَكَ. وليسَ لهُ بَيْعُهُ قبلَ السَّنةِ، إلَّا من شريكِهِ. وإذا تَمَّت السَّنَةُ قُوِّمَ على مُبْتَدَئِ الْعِتْقِ عِنْدَ التَّقويمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت