فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 381

الثَّالثُ: أن يَتَوَقَّفَ. فإن أَدَّى القيمةَ بانَ حصولُ العتقِ من وقتِ الإعتاقِ، وإلَّا بَانَ أنَّه لم يُعْتِقْ. وألفاظُ الحديثِ المذكورِ مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَ الرُّوَاةِ: ففي بعضِهَا قوَّةٌ لمذهبِ مالكٍ. وفي بعضِهَا ظهورُ لمذهبِ الشَّافعيِّ. وفي بعضِهَا احتمالٌ مُتَقَارِبٌ.

وألفاظُ هذه الرِّوايةِ تُشْعِرُ بما قالَهُ مالكٌ: وقد اسْتَدَلَّ بهَا على هذا المذهبِ؛ لأنَّها تَقْتَضِي ترتيبَ التَّقويمِ على عِتْقِ النَّصيبِ، وتَعَقُّبِ الإعطاءِ وعِتْقِ الباقِي للتقويمِ. فهذا التَّرتيبُ بَيْنَ الإعطاءِ وعتقِ الباقِي للتقويمِ.

فالتقويمُ إمَّا أن يكونَ راجعًا إلى ترتيبٍ في الوجودِ، أو إلى تَرَتُّبٍ في الرُّتْبَةِ، والثَّانِي: باطلٌ؛ لأنَّ عِتْقَ النصيبِ الباقِي -على قولِ السِّرَايَةِ- بنفسِ إعتاقِ الأوَّلِ؛ إمَّا معَ إعتاقِ الأوَّلِ، أو عَقِيبَهُ.

فالتَّقويمُ إن أُرِيدَ بهِ الأمرُ الَّذي يُقَوِّمُ بهِ الحاكمُ والْمُقَوِّمُ: فهوَ متأخرٌ في الوجودِ عن عِتْقِ النَّصيبِ والسِّرَايَةِ معًا. فلا يكونُ عِتْقُ نصيبِ الشَّريكِ مُرَتَّبًا على التَّقويمِ في الوجودِ، معَ أنَّ ظاهرَ اللَّفظِ يَقْتَضِيهِ.

وإن أُرِيدَ بالتقويمِ: وجوبُ التقويمِ معَ مَا فيهِ من الْمَجَازِ. فالتقويمُ بهذا التفسيرِ معَ الْعِتْقِ الأوَّلِ يَتَقَدَّمُ على الإعطاءِ وعِتْقِ الباقِي. فلا يكونُ عِتْقُ الباقِي مُتَأخِّرًا عن التَّقويمِ على هذا التَّفسيرِ، لكنَّه مُتَأَخِّرٌ على مَا دَلَّ عليْهِ ظاهرُ اللَّفظِ.

وإذا بَطَلَ الثَّانِي تَعَيَّنَ الأوَّلُ. وهوَ أن يكونَ عِتْقُ الباقِي راجعًا إلى التَّرتيبِ في الوجودِ، أيْ يقعُ أوَّلًا التقويمُ ثمَّ الإعطاءُ وعِتْقُ الباقِى. وهوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مالكٍ.

إلَّا إنَّه يَبْقَى على هذا احتمالٌ أن يكونَ"وعَتَقَ"معطوفًا على"قُوِّمَ"لا على"أَعْطَى"فلا يَلْزَمُ تأخُّرُ عتقِ الباقِي على الإعطاءِ، ولا كونُهُ معَهُ في درجةٍ واحدةٍ.

فعليكَ بالنَّظرِ في أرجحِ الاحتماليْنِ. أعنِي عطفَهُ على"أَعْطَى"أو عَطْفَهُ على"قُوِّمَ".

وأقوَى منهُ: روايةُ عمرِو بنِ دينارٍ، عن سالمٍ، عن أبيهِ؛ إذ فيهَا:"فَكَانَ مُوسِرًا فَإنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَةِ، أو قالَ: -قيمةٍ- وَلَا وَكْسَ َوَلَا شَطَطَ ثُمَّ يُقَوَّمُ لِصَاحبِهِ حِصَّتُهُ ثُمَّ يَعْتِقُ"فجاءَ بلفظة"ثُمَّ"الْمُقْتَضِيَةِ لترتيبِ الْعِتْقِ على الإعطاءِ والتقويمِ.

وأمَّا مَا يَدُلُّ ظاهرُهُ للشَّافعيِّ: فروايةَ حَمَّادِ بنِ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ:"مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِن الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ"وأمَّا مَا في روايةِ بِشْرِ بنِ الْمُفَضَّلِ، عن عُبَيْدِ اللهِ فما جاءَ فيهَا:"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ، إنْ كَانَ لِلَّذِي عَتَقَ نَصِيبَهُ مِن المالِ: مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَيَدْفَعُ إِلَى شُرَكَائِهِ أَنْصِبَاءَهُمْ، وُيَخَلَّى سِبِيلُهُ".

فإنَّ في أوَّلِهِ: مَا يُسْتَدَلُّ بهِ لمذهبِ الشَّافعيِّ؛ لقولِهِ"فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ"فإنَّ ظاهرَهُ يَقْتَضِي: تعقيبَ عِتْقِ كلِّهِ لإعتاقِ النَّصيبِ. وفي آخرِهِ: مَا يَشْهَدُ لمذهبِ مالكٍ. فإنَّه قالَ:"يُقَوَّمُ قِيمةَ عَدْلٍ فَيَدْفَعُ"فَأَتْبَعَ إعتاقَ النَّصيبِ للتَّقويمِ ودَفْعِ القيمةِ للشركاءِ عَقِيبَ التقويمِ. وذَكَرَ تَخْلِيَةَ السَّبيلِ بعدَ ذلكَ بالواوِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت