والَّذي يظهرُ لي في هذا: أن يُنْظَرَ إلى هذه الطُّرقِ ومخارجِهَا. فإذا اخْتَلَفَت الرِّواياتُ في مخرجٍ واحدٍ أَخَذْنَا بالأكثرِ فالأكثرِ، أو بالأحفظِ فالأحفظِ. ثم نظرْنَا إلى أقربِهَا دلالةً على المقصودِ فعُمِلَ بهَا.
وأقوَى مَا ذكرْنَاهُ لمذهبِ مالكٍ لفظةُ:"ثُمَّ"وأقوَى مَا ذكرْنَاهُ لمذهبِ الشَّافعيِّ: روايةُ حَمَّادٍ، وقولُهُ:"مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِن الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ"لكنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المرادُ: أنَّ مَآلَهُ إلى الْعِتْقِ، أو أنَّ الْعِتْقَ قد وَجَبَ لهُ وتَحَقَّقَ.
وأمَّا قضيةُ وجوبِهِ بالنِّسبةِ إلى تعجيلِ السِّرَايَةِ، أو تَوَقُّفِهَا على الأداءِ: فَمُحْتَمَلٌ.
فإذا آلَ الحالُ إلى هذا، فالواجبُ النَّظرُ في أقوَى الدَّليليْنِ، وأظهرِهِمَا دلالةً ثم على تراخِي الْعِتْقِ عن التَّقويمِ والإعطاءِ أو دلالةِ لفظةِ"عَتِيقٍ"على تَنْجِيزِ الْعِتْقِ. هذا بعدَ أن يَجْرِيَ مَا ذكرْنَاهُ من اعتبارِ اختلافِ الطُّرقِ، أو اتفاقِهَا.
الرَّابعُ والعشرونَ: يُمْكِنُ أن يَسْتَدِلَّ بهِ مَن يَرَى السِّرَايَةَ بنفسِ الإعتاقِ، على عكسِ مَا قَدَّمْنَاهُ في الوجهِ قبلَهُ. وطريقُهُ أن يُقَالَ: لو لم تَحْصُل السِّرَايَةُ بنفسِ الإعتاقِ، لمَا تَعَيَّنَت القيمةُ جزاءً للإعتاقِ، لكن تَعَيَّنَتْ: فالسِّرَايَةُ حاصلةٌ بالإعتاقِ.
بيانُ الْمُلَازَمَةِ: أنَّه إذا تأخَّرَت السِّرايةُ عن الإعتاقِ، وتوقَّفَتْ على التَّقويمِ، فإذا أعتقَ الشَّريكُ الآخرُ نصيبَهُ نَفَذَ. وإذا نَفَذَ فلا تقويمَ، فلو تأخَّرَت السِّرَايَةُ لم يَتَعَيَّن التَّقويمُ، لكنَّها مُتَعَيَّنَةٌ للحديثِ.
الخامسُ والعشرونَ: اخْتَلَفَ الحنفيَّةُ في تَجَزِّي الإعتاقِ، بعدَ اتفاقِهِمْ على عدمِ تَجَزِّي الْعِتْقِ. فأبُو حنيفةَ يَرَى التَّجَزِّي في الإعتاقِ، وصاحبَاهُ لا يَرَيَانِهِ.
وانْبَنَى على مذهبِ أبِي حنيفةَ: أنَّ للسَّاكتِ أنْ يَعْتِقَ إبقاءً لِلْمِلْكِ، ويَضْمَنَ شريكَهُ؛ لأنَّه جَنَى على مِلْكِهِ بالإفسادِ. واسْتَسْعَى العبدَ؛ لأنَّهُ مَلَكَهُ. وهذا في حالِ يَسَارِ الْمُعْتِقِ. فإن كانَ في حالِ إعسارِهِ. سقطَ التَّضمِينُ. وبَقِيَ الأمرانِ الآخرانِ.
وعندَ أبى يوسفَ ومحمَّدٍ: لمَّا لم يَتَجَزَّأ الإعتاقُ عَتَقَ كُلُّهُ، ولا يَمْلِكُ إعتاقَهُ، ولهمَا أن يَسْتَدِلَّا بالحديثِ من جهةِ مَا ذكرْنَاهُ من تَعَيُّنِ القيمةِ فيهِ. ومعَ تَجَزِّي الإعتاقِ لا تَتَعَيَّنُ القيمةُ.
السَّادسُ والعشرونَ: الحديثُ يَقْتَضِي وجوبَ القيمةِ على الْمُعْتِقِ للنَّصيبِ: إمَّا صريحًا، كمَا في بعضِ الرِّواياتِ:"يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَيَدْفَعُ لِشُرَكَائِهِ حِصَصَهُمْ"وإمَّا دلالةً سياقيَّةً لا يُشَكُّ فيهَا، كمَا في روايةٍ أخرَى. وهذا يَرُدُّ مذهبَ مَن يَرَى أنَّ باقِيَ العبدِ يُعْتَقُ من بيتِ مالِ المسلمينَ. وهوَ قولٌ مَرْوِيٌّ عن ابنِ سِيرِينَ، مُقْتَضَاهُ: التَّقويمُ على الْمُوسِرِ.
وذَكَرَ بعضُهُمْ قولًا آخَرَ: أنَّه يَنْفَذُ عِتْقُ مَن أَعَتْقَ. ويَبْقَى مَن لم يُعْتِقْ على نصيبِهِ، يفعلُ فيه مَا شاءَ، ورُوِيَ في ذلكَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قالَ: كانَ بينِي وبينَ الأسودِ غلامٌ، شَهِدَ القادسيَّةَ، وأَبْلَى فيهَا. فأرادُوا عِتْقَهُ. وكنْتُ صغيرًا. فذَكرَ ذلكَ الأسودُ لعمرَ، فقالَ: أَعْتِقَوا أنتمْ، ويكونُ عبدُ الرحمنِ على نصيبِهِ حتى يَرْغَبَ في مِثْلِ مَا رَغِبْتُمْ فيهِ، أو يَأْخُذَ نصيبَهُ. وفي روايةٍ عن الأسودِ قالَ: كانَ لِي ولإخوتِي غلامٌ أَبْلَى يومَ القادسيَّةِ. فأردْتُ عِتْقَهُ لِمَا صَنَعَ، فذكرْتُ ذلكَ لعمرَ، فقالَ: لا تُفْسِدْ عليهِمْ