2 -ولكنِّي أرَى مَجالًا كبيرًا لاحتمال أن يَكُون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمَرَ بالرَّجْم في تلك الحوادِث الثابتة على سبيل التعزير لا على سبيل الحَدِّ، إذ رأى أنَّ زِنَى المُحْصَن المُستَغنِي بزوجة شرعية يَحتاج في ذلك العهد إلى زاجِرٍ أقوى من زاجر البِكْر، لِيَقْضِيَ على سِفَاح الجاهلية المشهور، وتَتأصَّل الرهبة من هذه الجريمة الشنعاء في نفوس المسلمين. وهذا أمر يَعُود تقديره شرعًا إلى ولي الأمر، كما في سائر الحالات التي تَستَوجِب الزجر بالتعزير المُفوَّض إلى ولي الأمر. وعندئذ يُمكن أن يُقال في أمْر الرَّجْم ما يُقال في كل تعزير من أنه مُفَوَّض إلى ولي الأمر بحسب ما يرى من المصلحة: فإنْ شاء طَبَّقَه، وإن شاء اكتفَى بالجلد الذي هو وَحْدَه الحَدُّ، وإن شاء جَمَعهما حدًّا وتعزيرًا، وإن شاء حدَّ المُحْصَن حدًّا، وزاد عليه زاجرًا آخر غيْر الرَّجْم تعزيرًا؛ لأنَّ زِناه أشدُّ وأفْظَعُ من زِنَى البِكْر، كل ذلك بحسب ما يَرَى من وجه المصلحة، والحاجة الزمنية والشخصية وَفْقًا لقاعدة التعزيرات، ونظير ما نَرَى في قوانين العقوبات اليوم من تخيير القاضي بين حدَّين أدنى وأعلى من عقوبتي التغريم والحبس كلتيهما أو إحداهما، وهو مما تَتَقَبَّلُه قاعدة التعزير الشرعي في الإسلام.
وهذا الرأي (أَعْنِي حَمْل ما وَرَدَ من السنة في الرَّجْم على قاعدة التعزير) وإن كان لم يره أحد من الأئمة الأربعة ـ تَشهد له بعض الدلائل في الحديث النبوي نفْسه الذي قرَّر حُكْم الرجم،ذلك أنه بعد أن قرر القرآن في سورة النساء العقوبة المبدئية للزِّنَى بقوله تعالى: