وقد استشهد على ذلك بنُقول فقهيّة نقلَها من المذاهب الأربعة، رآها في نظره مؤيِّدة لرأيه، وأطال في ردّه، لكني لا أراها تؤيِّده، وتخالِف ما ذهبت إليه أنا من أنه لا ينقض وضوء المرأة إذا لم يصحبه سَيلان آخر غير طبيعي ناشئ عن التهابات مرضيّة. وسأجيب فيما يلي عمّا بيّنه الأستاذ، دفعًا للشبهة:
أولًا: إن الأستاذ الحامد بنَى رأيه على نقطة أساسية هي أنه: لا ارتباط بين أن يكون الخارج من أحد السّبيلين نجسًا وبين كونه ناقضًا للوضوء. فقد نصّ الفقهاء على أن الحَصاة والدّودة طاهرتان، ومع ذلك إذا خَرجَتا من الدُّبر تنقضانِ الوضوء.
وجوابًا على ذلك أقول: إن مُراد الفقهاء بأن الدودة والحصاة طاهرتان أنهما طاهرتان في ذاتهما، أما إذا خرجَتا من الدُّبر فإنهما لا تكونان حينئذ طاهرتين، بل متنجِّستين؛ لأنهما قد مرَّتا من مقرِّ النجاسة الرطبة فتنجَّستا ولو أنهما في ذاتهما طاهرتان، بحيث لو غسلهما الإنسان بعد خروجهما وحملهما وصلّى، فصلاتُه صحيحة.
أما ما فَهِمه الأستاذ الكريم من أنهما تخرجان من داخل الدُّبر طاهرتين فهو فَهْمٌ غير صحيح، فهما خارج نجِسٌ، ومتنجّس، فتنقضانِ الوضوء.
وهنا نقطة مُهمّة يجب التنبُّه لها، وهي ذات تأثير في الموضوع، فإن الطُّهر الأبيض اللزِج الذي يخرج من المرأة دائمًا في حال الصحة، هو إفراز طبيعي إنما يفرزه المِهبل ويخرج منه؛ ولذلك كان طاهرًا، بينما الدودة إنما تخرج من الدبر مجتازةً معدن النجاسة، فمن المعقول أن تنقض الوضوء.
ثانيًا: احتج الأستاذ الحامد أيضًا بأن الرّيح التي تخرج من الإنسان هي أيضًا طاهرة، فصحَّ أنها تنقض الوضوء.
وجوابًا على ذلك أقول: إن الرّيح غاز كالهواء، وليست جسمًا كثيفًا، فلذلك كانت طاهرة، لكنها اعتُبرت ناقضة للوضوء بنصِّ الحديث النبوي لحكمة خاصة، فلا تكون قاعدة في النواقِض، ولو اعتُبرت نجسة؛ لأنها من تبخُّرات النّجاسة، لكان في ذلك حَرَج عظيم.