فجميع الروايات الواردة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ في هذا الشأن قد رُبط فيها الصوم والإفطار برؤية الهلال الجديد. وإن القَدْر أو التَّقدير عندما تمتنع الرؤية البصرية لعارِض يحجبها من غَيْم أو ضباب أو مانع آخر، معناه: إكمال الشهر القائم ـ شعبان أو رمضان ـ ثلاثين يومًا، فلا يُحكَم بأنه تِسعٌ وعشرون إلا بالرؤية.وهذا من شؤون العبادات التي تُبْنَى فيها الأحكام على النص تعبُّدًا دون نظر إلى العلل، ولا إعمال للأَقيِسة.
هذه حُجّة مَن لا يقبلون الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية، ولو بلغ الحساب الفلكيُّ من الصحة والدقة مبلغَ اليقين بتقدم علمه ووسائله.
ونقول نحن بدورنا: إن كلّ ذلك مسلَّم به لدينا، وهو معروف في قواعد الشريعة وأصول فقهها بشأن العبادات، ولا مجال للجدل فيه، ولكنه مفروض في النصوص التي تُلقى إلينا مطلقة غير معلَّلة، فإذا ورد النص نفسه معللًا بعلة جاءت معه من مصدره، فإنَّ الأمر حينئذٍ يختلِف، ويكون للعلة تأثيرُها في فَهم النَّصِّ، وارتباط الحكم بها وجودًا وعدمًا في التطبيق، ولو كان الموضوع من صميم العبادات . ولكي تتضحَ لنا الرؤية الصحيحة في الموضوع نقول:
إن هذا الحديث النبوي الشريف الآنِفَ الذِّكرِ ليس هو النَّصَّ الوحيدَ في الموضوع، بل هناك روايات أخرى ثابتة عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضح علّة أمره باعتماد رؤية الهلال البصرية للعلم بحلول الشهر الجديد؛ الذي نِيطتْ به التكاليفُ والأحكام، من صيام وغيره.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة ـ رَضِيَ الله عنها في كتاب الصيام (باب: الصوم لرؤية الهلال) أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إن الشَّهر يكونُ تسعةً وعشرين يومًا".