وأخرج ـ أيضًا ـ بعده عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إنا أمةٌ أُمِّيَّة لا نَكتُب ولا نحسِب، الشهرُ هكذا وهكذا، وعَقَدَ الإبهامَ في الثالثة (أي طَواه) والشَّهْرُ هكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين"أ.هـ.
ومُفاد هذا الحديث أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشار (أولًا) بكلتا يديه وبأصابعه العشرِ ثلاثَ مراتٍ، وطوى في الثالثة إبهامَه على راحته لتبقَى الأصابِع فيها تسعًا، لإفادة أن الشَّهر قد يكون تسعةً وعشرين يومًا، ثم كرَّر الإشارةَ ذاتَها .
(ثانيًا) دون أن يطويَ في المرة الثالثة شيئًا من أصابعه العشر؛ ليفيدَ أن الشهر قد يكون ـ أيضًا ـ ثلاثين يومًا، أي: أنه يكون تارةً تسعًا وعشرين، وتارة ثلاثين.
هكذا نقل النسائي تفسير هذا الحديث عن شعبة عن جبلة بن سُحيم عن ابن عمر. (رواه النسائي بشرح السيوطي، وحاشية السندي ج4 ص /138 و 140) .
وكذلك ليس هذا هو كل شيء من الروايات الواردة في هذا الموضوع، فالرواية التي أكملت الصورة، وأوضحت العلّة، فارتبطت أجزاء ما ورد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الشأن بعضُها ببعض، هي ما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي (واللفظ للبخاري) ، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا"يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين، وكلهم أوردوا ذلك في كتاب الصوم. وقد أخرجه أحمد عن ابن عمر.
فهذا الحديث النبوي هو عماد الخيمة، وبيت القصيد في موضوعنا هذا، فقد علَّل رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ أمرَه باعتماد رُؤية الهلال رؤيةً بصرية لبدء الصوم والإفطار بأنه من أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ لا تكتب ولا تحسب، فما من سبيل لديها لمعرفة حلول الشهر ونهايته إلا رؤية الهلال الجديد، ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين وتارة ثلاثين. وهذا ما فَهِمَه شُرّاح الحديث من هذا النَّصِّ.