فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 564

ولازم هذا المُفاد من مفهوم النَّصِّ الشرعيِّ نفسه أنَّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقومَه العربَ، إذْ ذاك، لو كانوا من أهل العلم بالكتاب والحساب بحيث يستطيعون أن يَرصُدوا الأجرام الفلكية، ويَضبِطوا بالكتاب والحساب دوراتِها المنتظمة التي نظمتها قدرة الله العليم القدير بصورة لا تختلُّ، ولا تتخلَّف، ولا تختلِف، حتى يعرفوا مسبقًا بالحساب متى يُهَلُّ بالهلال الجديد، فينتهي الشهر السابق ويبدأ اللاحق ـ لأمكنهم اعتماد الحسابِ الفلكي. وكذا كل مَنْ يَصِلُ لديهم هذا العلم من الدقة والانضباط إلى الدرجة التي يوثَق بها، ويطمَأن إلى صحّتها.

هذا ـ حينئذٍ، ولا شكَّ ـ أوثقُ وأضبط في إثبات الهلال من الاعتماد على شاهدين ليسا معصومَيْن من الوهم وخداع البصر، ولا من الكذب لغرض أو مصلحة شخصية مَستورة، مهما تحرَّينا للتحقُّق من عدالتهما الظاهرة التي توحِي بصدقهما، وكذلك هو ـ أي: طريق الحساب الفلكي ـ أوثقُ وأضبط من الاعتماد على شاهد واحد عندما يكون الجوُ غير صاحٍ، والرؤية عسيرةٌ، كما عليه بعض المذاهب المعتبرة في هذه الحال.

وقد وُجِدَ مِن علماء السلف ـ حين كان الحساب الفلكي في حاله القديمة غير منضبط ـ مَن قال: إن العالم بالحساب يعمل به لنفسه، قال بهذا مطرف بن عبد الله من التابعين، ونقله عنه الحطاب من المالكية في كتابه"مواهب الجليل" (2/288) ونقل العلامة العيني الحنفي في كتابه"عمدة القاري شرح صحيح البخاري"عن بعض الحنفية أنه: لا بأس بالاعتماد على قول المنجِّمين (يقصد بهم علماء الحساب الفلكي كما سبق بيانه) وذكر ذلك العلامة ابن عابدين أيضًا في رسائله (1/244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت