فالمالكيّة لا يرون ترتيبًا واجبًا إلا بالنسبة إلى الرّمي فقط، فرمي جمرة العقبة يجب عندهم أن يتقدّم على (الذبح والحلق) ، أما هذان فلا ترتيب بينهما.
والشافعيّة ذهبوا إلى أنّ هذا الترتيب بين الأعمال الثلاثة جَميعًا إنّما هو سنة ليس بواجب، ولا يترتّب على عدمه جزاء، وحُجّتهم في ذلك من السنّة النبوية قويّة جِدًّا بل قاطعة، وهي حديث عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ، وهو حَديثٌ صحيح متفق عليه في البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الصحاح: أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقَف في حجّة الوداع بمنًى فجعلوا يسألونَه، فقال رجل: لم أشعر فحلَقتُ قبل أن أذبحَ؟ قال:"اذبح ولا حرج". فجاءه آخر فقال: لم أشعُر فنحرْت قبل أن أرميَ؟ قال:"ارْم ولا حَرَجَ". فما سُئل يومئذٍ عن شيء قُدِّمَ أو أُخِّرَ إلا قال:"افعلْ ولا حَرْجَ" (10) والحنفيّة يؤوِّلون هذا الحديث تأويلًا بعيدًا فيقولون: إن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للسائل: لا حرج، معناه نفيُ الإثم، فلا يُنافِي وجوبَ الجزاء، وإني ـ وأنا حنفي أبًا عن جَدٍّ ـ أستسيغُ أن أقول: إن هذا التأويل بعيد عن أسلوب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في البيان، بل المعنى الأقرب والمُتبادِر من قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ للسائل:"ولا حرج"أنه لا شيء عليه من إثم ولا جزاء.
وعندئذٍ يكون الترتيب الوارد في فعله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بين هذه الأعمال الثلاثة إنما هو للأفضليّة، وليس للوجوب، جمعًا بين قول الرسول وفعله، وهذا الجمع والتّوفيق بين دَلالات الأحاديث النبويّة هو الواجب في قواعد أصول الفقه متى كان مُمكنًا.
ثانيًا ـ في التحلُّل: