ما تقدَّم بيانه هو ما يتعلّق بحكم الترتيب بين الأفعال الثلاثة (الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق أو التقصير) : هل هذا الترتيب بينها واجب أم سنة؟ وقد رأينا أن الوجوبَ هو رأي الحنفية فقط، أما في المذاهب الثلاثة الأخرى فهذا الترتيب بينها سُنَّة لا يترتّب على الإخلال به جزاء، إلا أن المالكيّة يُوجبون تقديم الرّمي فقط.
أما التحلُّل من الإحرام فهو أمر آخر لا عَلاقة له بهذا الترتيب، ولا يتوقّف عليه:
أ) ففي المذاهب الأربعة، حتّى الحنفيّة، يتحلّل الحاج التحلّل الأصغر بعد هذه الأعمال الثلاثة، ولو أتى بها على غير هذا الترتيب، كما لو بدأ بالحلق أو التقصير، ثم ذبح ثم رمي جمرة العقبة، ولكنه عند الحنفيّة عليه دم الجزاء لإخلاله بواجب الترتيب بينها جميعًا، وعند المالكيّة عليه دم الجزاء إذا لم يبدأ بالرّمي، فالتحلل الأصغر يحصل بهذه الأعمال الثلاثة، ولو مَع عدم ترتيبها في جميع المذاهب، وإنْ وجب دم جزاء عند بعضِهم بعدم التّرتيب.
ب) أمّا المذاهبُ التي ترى الترتيب كله سنة لا واجبًا كالشافعيّة والحنابلة؛ فإن التحلل يحصل عندهم بهذه الأفعال ولو غير مرتبة دون أي جزاء.
فالإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ وأتباعه يرون أن التحلّل الأصغر يحصُل بفعل اثنين من الأعمال الثلاثة: (الرّمي والذَّبح والحلق أو التقصير) أيَّ اثنين كانا. فالرّمي والحلق أو التّقصير وحدهما يحلّ به الحاج المتمتِّع أو القارِن قبل الذّبح.
وأما الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ وأتباعه فيرَون ألّا دخل للذَّبح في التحلُّل أصلًا، فيحلّ الحاج بالرمي والحلق أو التقصير فقط. أما الذبح فواجب منفصل على المتمتِّع والقارِن لا عَلاقة له بالتحلُّل، بدليل أنه لا يطلب الذَّبح من الحاج المفرِد، إذ يتحلَّل هذا دون ذبح أصلًا بالإجماع.