فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 564

رابعًا ـ ما تقدَّم كلُّه هو فيما إذا نظرنا إلى الموضوع بالمِنظار الشرعي، العام وفقًا للقواعد القياسية العامة، أما إذا نظرنا بمنظار القواعد الشرعية الاستثنائية للحالات والظروف الخاصة، كقاعدة الضّرورات أو الحاجات العامّة، وكقاعدة الاستحسان التي تفتح طرقًا للخروج من تحت القواعد القياسية لتقرير أحكام استثنائية خاصة ببعض المسائل، رعاية لظروفها وملابساتها الخاصة التي إذا لم تراع، بل طبقت فيها القواعد القياسية العامة، تنتهي بها إلى نتائج تناقض مقاصد الشريعة، وتُوقِع في الحرج، إذا نظرنا بمنظار القواعد الاستثنائيّة التي أقامتها الشريعة لمعالجة مثل هذه الحالات والمشكلات، فإن المُشكلة مَحلولة عندئذ حتى بنظر المذهب الحنفي الذي يشترط الترتيب بين الأعمال الثلاثة (الرمي، والذبح، والحلق أو التقصير) ، فقد يسقط الواجب الأصليّ حينئذٍ، ويُكتفَى بما يُمكن، وهذا من الخصائص التي بها كانت الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان.

وقد نصّ فقهاء الحنفيّة أنفسُهم على أنه في حالات الزحام وضيق المساجد بالمصلِّين في بعض الحالات، كما في الجمعة والعيدين، إذا لم يوجَد متَّسَع للسجود يسجُد المصلِّي على ظهر رفيقه، مع أن وضع الجَبهة على الأرض في السجود فريضة بإجماع الأئمة، لا تصحُّ الصلاة بدونها في الحالات العاديّة.

ونصّ الحنفيّة أيضًا على قبول شهادة التسامُع إذا كان اشتراط العيان (الذي اشترطه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله"إذا رأيتَ مثلَ الشمس فاشْهَدْ وإلا فدَعْ(12) ) يؤدِّي إلى ضياع الحقوق لتعذره في بعض الحالات، فأجازوا شهادة التسامع لإثبات أصل الوقف في الأوقاف القديمة؛ التي انقرض واقفوها وشهودُها؛ إذ لولا ذلك لتسلط الغاصبون على عَقارات هذه الأوقات، دون أن يمكن إثبات وَقفيّتها أمام القضاء."

وقبلوا أيضًا إثبات الوفاة والنّسب بالتسامُع للسبب نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت