وهناك من الأئمة من يرى: أن تحديد ذات عِرق مهلًّا لأهل المَشرق وارد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس اجتهادًا من عمر ـ رضي الله عنه ـ ويُوردون أحاديث في ذلك. ولكنّ جمهور أهل الحديث يقرّرون: أن الأحاديث التي ورد فيها النص على أن ذات عِرق ميقات لإحرام أهل المشرِق ـ كلّها ضعيفة لا تنهَض حجّة، فالصحيح عندهم أن هذا التحديدَ لأهل العراق والمشرِق إنّما هو اجتهاد من عمر، أخذًا بالمُحاذة السَّمْتيّة لأقرب مِيقات إلى جِهتهم. (ر:المجموع 7/191، ونيل الأوطار 4/332) .
مما تقدَّم يتضح أن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ لم يحدِّد مواقيت مكانيّة إلا للقادمين بَرًّا من أطراف شبه الجزيرة العربية الثلاثة وهي: الشّمال، والشّرق، والجنوب؛ لأن هذه الجهات الثلاث هي التي يمكن ـ إذ ذاك ـ أن يأتي منها المسلمون حُجَّاجًا أو معتمِرين، وقد حَدّد للقادمين من الشمال مِيقاتَين: واحدًا لأهل المدينة (ذو الحُليفة) ، وآخر لأهل الشّام (الجُحْفَة) لأنّ الشام كان فيه لأهل الحجاز رحلة الصّيف التّجاريّة، فقد يعودون من الشّام قاصدين حَجًّا أو عمرة، فهؤلاء عندئذٍ إما أن يأتُوا من طريق يثرب، فيتبعون ميقات أهلها، وإما أن يأتُوا من طريق أخرى لا تمرُّ بيثرب، فجعل الجُحفة عندئذٍ ميقاتًا لهم، وهي قريب من مكّة.
أما جهة الغرب فلم يحدِّد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها ميقاتًا مكانيًّا؛ لأن الجهة الغربيّة بحرٌ، وفي الغرب منه أفريقيّة التي لم يصل إليها الإسلام إذ ذاك، ولا يعلم ما سيكون من أمرها إلا الله. وقد حدّد الفقهاء فيما بعد لأهل مصر والمغرب إذا جاؤوا بطريق البَرِّ ميقات أهل الشام، وهو الجُحفة؛ لأنه طريقهم الطبيعيّ ـ إذ ذاك ـ قبل شقِّ قناة السويس في عصرنا هذا.