وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما هو معروف ـ لا يرغَب أن يقرِّر أحكامًا مسَّبقة، لأمور غير واقعيّة، حتى إنه لم يكن يرغب أن يُسأل عمّا سكتَ عنه، بل كان يترك ذلك للاجتهاد في ضوء سنّته الشريفة، ومقاصد الشّريعة المُستفادة من كتاب الله تعالى الحكيم، وخاصّة منها رفع الحرج، كما نَوَّه به القرآن العظيم.
ومعروفة قصة الصّحابي الذي سأل عن الحجِّ حين أوجبه الله على من استطاع إليه سبيلًا: أفي كلِّ عام يا رسول الله؟ فقال له:"لو قلت نعم لوجب عليكم ولَمَا استطعتم" (2) ، وكذلك قوله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ في صحيح أحاديثه:"إن الله فرضَ فرائض فلا تضيِّعوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكتَ عن أشياءَ رحمةً بكم فلا تسألوا عنها" (3) أي: لا تسألوا عنها قبل وقوعها، فإذا وقعت فاجتهدوا برأيكم وعلمكم، أو اسألوا عندئذٍ أهل الذِّكر والعلم، وليس المراد عدم السؤال عنها أبدًا؛ إذ لو وقعت في مستقبل الزمن، واحْتِيج إلى معرفة حكم الشرع فيها، لابد حينئذٍ من السؤال عنها، والبحث فيها لمعرفة ما يجب بشأنها في ضوء أدلة الشريعة.
وفى ضوء ما تقدّم يتبيَّن أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يحدّد أيضًا ميقاتًا بحريًّا؛ لأن المجيء للحجّ والعمرة ـ إذ ذاك ـ في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن بالسّفينِ من جهة البحر الأحمر (بحر القلزم) ، فيبقى حكمه في المستقبل للاجتهاد، إذا قدَّر الله للإسلام أن يمتدّ غربًا إلى أفريقيّة، كما حصل فيما بعد، والحمد لله.