فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 564

ونحن نضع اجتهادَه هذا فوق الرأس والعينين، وهو معقول في ذاته؛ لأنّ ما تَقتضيه حرمةُ البيت المعظَّم مِن أن يتهيّأ مَن يقصده لحج أو لعمرة بالإحرام قبل الوصول إليه، هو ممّا ينبغي أن يستويَ فيه كل قاصد، سواء مرّ بالميقات الذي حدّده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو جاء من طريق أخرى لا تمرُّ به، فجعل المحاذاة لأحد المواقيت هي الحدُّ لغير مَنْ يمرُّ بالميقات، وهو قياس معقول مبنيٌّ على علّة متَّحِدة.

ولكن هذا القياس السليم لا يجوز أن يَخرج عن أرضيّة المسألة، وهي أن تلك المَواقيت التي حدّدها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يفهَم منها أهل اللسان الذين خوطِبوا به، إلا أنها لأهلها، ولن يمرَّ بها المرور المُعتاد الذي لا يعرفون سواه، وهو المرور بها في موقعها على سطح الأرض؛ لأن هذا هو ما تدلُّ عليه لغتهم التي خوطِبوا بها حين قال لهم الرسول عن هذه المواقيت:"هنّ لهُنّ ولمَن أتى عليهن من غير أهلِهن"، ولا يمكن أن يتصوَّر أحدُهم ـ إذ ذاك ـ مرورَ أحد من فوق الميقات، وهو طائر في الجوِّ.

وقد رأينا آنفًا قول الشاطبي:"إنّه لابد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأمِّيِّين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، وأنه لا يصحُّ أن يجريَ في فهمِها على ما لا يَعرفونه، وأنّ هذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب..".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت