فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 564

فاجتهاد عمر ـ رضي الله عنه ـ في إلحاق المحاذاة لا يمكن أن يتجاوز الأصل، فكما أن النصَّ الأصلي ـ وهو حديث المواقيت ـ معناه المرور بالميقات فعلًا على سطح الأرض، فإن المُحاذاة التي ألحقها به عمر معناها المُحاذاة ممَّن يمرُّ فعلًا حذوَ الميقات المرور المعتاد على سطح الأرض؛ ذلك لأن المَقيس لا يمكن أن يُعطَى أكثر من حكم المَقيس عليه. فإذا كان نصُّ الحديث النبوي لا يتناول القدوم جَوًّا، ممّا لم يكن في حسبان أهل اللسان، ولا مَعهودهم، فكذلك المحاذاة الملحقة بطريق القياس والاجتهاد لا تطبّق على طريق الجوِّ؛ الذي لم يكن يتصوّره عمرُ نفسُه صاحب هذا الاجتهاد القياسي.

القدوم جَوًّا لا نصَّ فيه:

إنني أخلُص من جميع ما تقدّم بيانُه: أنّ القادمين اليوم بطريق الجوِّ في الطائرات لحجٍّ أو عمرة، لا يشملُهم تحديد المواقيت الأرضيّة التي حدّدها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم في الجوّ، فهي حالة قد سكت عنها النصّ؛ لأنّها لم تكن في التصوّر أصلًا، كما سكت عن القادمين من الجهة الغربيّة إذ لم يكن إذ ذاك مُسلمون يقدُمون من إفريقيّة من وراء البحر، ولا من مصر. أما الشّام فإنه ـ وإن لم يكن فيه مُسلمون إذ ذاك ـ فقد كانت تِجارة قريش وعَرب الحجاز قائمة مع الشام في رحلة الصيف، فقد يعودون منه قاصدين حَجًّا أو عمرة، فلذا حدّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ للقادمين من الشام الجُحفة ميقاتًا لهم، كما أسلفنا بيانَه.

وإذا كان القدوم جَوًّا ليس مشمولًا بتحديد المواقيت المكانيّة لما قد بيّنا، فهو إذا خاضع للاجتهاد في تحديد ميقات مكاني للقادمين منه بالوسائِط الجديدة المبتكرة في عصرنا هذا، كسائر قضايا الساعة التي ليس عليها نصٌّ، فيجب أن يقرِّر الاجتهاد لها الحكم المناسب في ضوء أصول الشريعة ومقاصدها، وفي طليعتها رفعُ الحرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت